آخر الأحداث والمستجدات 

عن نصف المجتمع أتحدث ...

عن نصف المجتمع أتحدث ...

المجتمع المغربي مجتمع ديناميكي يسعى إلى الحداثة و التحديث ، كغيره من المجتمعات العربية ، يمر بمرحلة انتقالية عنوانها العريض هو اختراق الحداثة بكل حمولاتها لمكونات المجتمع بهدف مواكبة دينامية التغيير المجتمعي و التحكم في التحولات القيمية التي تمس بشكل مباشر كل الأنساق الإجتماعية و بشكل أساس مكوناتها الجوهرية حيث يتأرجح بين الحداثة و التقليد لمواجهة قضايا مصيرية كالمرأة و الأسرة . فالدور النمطي الذي تقوم به المرأة في المراكز الإجتماعية التي تشغلها رغم ما حققته من مكتسبات هامة في مجالات قانونية و سياسية و اجتماعية محاولة النهوض بمكانتها المادية و المعنوية و تحسين أوضاعها ، يوحي لنا و كأنها في علاقة متوترة مع الرجل من جهة و المجتمع ككل من جهة أخرى . التمييز الصارخ بين الرجل و المرأة صنف أغلب الكتابات في هذا المجال في إطار الدفاع عن حقوق تاء التأنيث التي ربما سقطت سهوا أو عمدا في مجتمعنا ، حيث تركز بالأساس على مفهوم المساواة بينها و بين الرجل في حين أن نقد هذا التوجه ينبه إلى أن المساواة تهدد التماسك الأسري .

فهل هناك إمكانية  التأمل بعمق و إعادة النظر في الفلسفة التنظيمية للمفهومين بحيث نتفادى ظلم المرأة و الحث على ضمان حقوقها بعيدا عن هاجس التفكك الأسري ؟ هل للتغيير و التحول المجتمعي انعكاس مباشر في ضبط العلاقة بين المرأة و الرجل و الطفل كمكونات للبنية المجتمعية  ؟ و هل يمكن اعتبار كل ما حققته المرأة هي مكاسب هشة في غياب رؤية استراتيجية واضحة و عدم مأسسة و إقرار التدابير الناجعة للحفاظ عليها ؟

     مما لا شك فيه أن فصل قضية المرأة عن قضايا حرية الإنسان المقموع يؤدي إلى الدخول في معارك حامية الوطيس بينها و بين الجنس الآخر مما يشدنا إلى الخلف ، و يرغمنا إلى العودة بفكرنا إلى مراحل سحيقة من تاريخ البشرية عامة و المجتمع العربي بشكل محدد ، فضمان حقوق المرأة كان و سيظل الإمتحان الحقيقي لأي مجتمع يروم نحو التطور و ترسيخ قيم الحداثة لبناء   يتكامل فيه دور النساء بصورة توافقية و تشاركية مع الرجال .

التطور التاريخي لمدونة الأسرة المغربية باعتبار المغرب أول بلد عربي مسلم يرفع كافة التحفظات عن الإتفاقية التي تناهض أشكال التمييز ضد المرأة ، حيث أن مدونة الأسرة مرت بمسلسل تراجيدي أولى حلقاته منذ 19 غشت 1957 إلى الآن .

فقد كان التغيير جذريا  ليس بإعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية الذي لا يواكب دينامية المغرب فحسب ، و لكن لأنها المرة الأولى التي تُحال فيها مدونة الأحوال الشخصية على البرلمان ، و الجدير بالملاحظة  أن العودة  إلى الحقوق المنصوص عليها في المادة 16 من اتفاقية " سيداو " (( المساواة في الحقوق و الواجبات )) يحيلنا إلى مرجعين مهمين ، المواثيق الدولية و الشريعة الإسلامية حيث نستنبط مقاربتين إحداهما تحاول انتصار المرأة قانونيا و الأخرى تعتمد مقاربة الصلح الإجتماعي بحثا عن التماسك الأسري .

إن التغيير البنيوي في طبيعة الأسرة كنظام مركب من المعايير الإجتماعية المتكاملة و المنظمة من أجل المحافظة على قيم المجتمع الأساسية ، و انتقالها من النموذج الممتد المركب إلى النموذج النووي بالإضافة إلى  التحول الذي مس بشكل مباشر علاقتها و طبيعة السلطة داخلها استنادا على  قيم كل فرد داخل هذه الخلية المجتمعية التي تعتبر اللبنة الأساسية في بناء صرح المجتمع ، غايته الأساسية تأسيس أفراد مستقلين ليس بالضرورة بمعزل عن الأسرة و لكن أفراد يحترمون خصوصية ذواتهم و خصوصية الآخر، بلفظ أكثر وضوحا أفراد قادرين على إتقان فن الحياة  . الدستور المغربي في فصله 32 اعتبر الأسرة القائمة على زواج شرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع ، و أن الدولة تعمل على ضمان حقوقها ووحدتها بمقتضى القانون .

إلا أن ازدياد تكاليف الحياة العصرية و صعوبة الإستجابة للحاجيات المتجددة حول وظيفة الأسرة من الإنتاج إلى الإستهلاك مما أدى إلى تناقص تدريجي في حجم الأسر و أوجد أنماطا جديدة من العلاقات  و الأدوار داخل الأسرة ، فخروج المرأة للعمل  غير دور كل من الزوج و الزوجة حيث لم تعد المهام موزعة حسب الجنس بل حسب الوقت و الإمكانيات و صارت أغلبها مزدوجة . إلى جانب ذلك نجد إدراك الوالدين و وعيهما بحاجات الطفل السيكولوجية و العاطفية المرتبطة بتطور مكتسباته الذاتية للتعامل مع ذاته و مع الآخر أدت إلى التحرر النسبي للأطفال من سلطة الأب حيث حل التشاور مكان الأمر و النهي مع تحرر الأنثى من ملامح التمييز الجندري في الأدوار و العلاقات بين الجنسين و الشكل التقليدي الذي يشكل خلفية لاشعورية في مجتمعنا بالتعالي الذكوري و فرض الوصاية عليها ، حيث أصبحت  الأم تتدخل كطرف مساو للأب في التوجيه و الإرشاد و التربية و تلبية المتطلبات الأسرية المادية منها و المعنوية.

إلا أن تمثلات الزواج عند الجيل الحالي ليست هي نفسها عند الجيل السابق ، فإذا كان الزواج ينظر له كمؤسسة مقدسة تمثل رباطا وثيقا ، فقد أصبح الآن مسألة تعاقد و منفعة و لذة لا أقل و لا أكثر ، زيادة على أن الإستقلال المادي للنساء و تغير وجهة نظر المجتمع إلى المرأة المطلقة جعل الإنفصال أكثر سهولة .

 يتضح لنا جليا أن قضية المرأة بمعناها الشامل الهادف إلى السعي للقضاء على التخلف و القمع بكامل صوره و تجلياته و الحد من ظاهرة العنف ضد الجنسين على حد سواء هي قضية ملحة و جوهرية ، ترمي إلى تأسيس منظومة أخلاقية تؤطر بنية الوعي الثقافي العام التي يتأسس عليها الوعي الفردي ، لتكون الأسرة كمؤسسة اجتماعية قادرة على مد المجتمع بأفراد أسوياء يمكنهم المساهمة بشكل إيجابي في ديمومته .

فهل يحق لنا أن نقول أن المرأة المغربية محظوظة بهذه المرحلة الإنتقالية التي تحملها على صهوة التحرر إلى تغيير ملموس ؟ هل ستتحرر المرأة حقا من هاجس المحافظة على الشريك الزوجي رغم ثقتها العاطفية المهزوزة فيه ؟ هل المؤشرات و الأرقام التي تمدنا بها الجهات المسؤولة حول تفشي ظاهرة الطلاق تنذر بدق ناقوس الخطر لحتمية تحولات على مستوى اللحمة المجتمعية التي صارت تعيش على وقع التفكك و الإنحلال في ظل أزمة انهيار القيم ؟  و كيف للمرأة وهي تتخبط بين إثبات وجودها و مواجهة الإكراهات المجتمعية أن تحافظ على هويتها و أصالتها ؟

 

بقلم الأستاذة رجاء قيباش من مكناس

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : رجاء قيباش
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2019-02-22 18:00:42

 تعليقات الزوار حول الموضوع 

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 رأيك يهمنا 

ان إدارة مواقع مكناس بريس تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك