آخر الأحداث والمستجدات 

منسيون في زمن الجائحة : التلاميذ في وضعية إعاقة و رهان تكافؤ الفرص

منسيون في زمن الجائحة : التلاميذ في وضعية إعاقة و رهان تكافؤ الفرص

تماشيا مع التزاماته الدولية ، و خصوصا تلك الناشئة عن اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالأشخاص في وضعية إعاقة ، و التي صادق عليها منذ سنة 2009 ، أولى المغرب اهتماما خاصا لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ، حيث نص الفصل 34 من دستور 2011 على أن تقوم السلطات العمومية بوضع و تفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص و الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة ، و لهذا الغرض تسهر هذه الأخيرة على إعادة تأهيل أولئك الذين يعانون من إعاقة جسدية ، أو حسية حركية ، أو عقلية ، و إدماجهم في الحياة الاجتماعية و المدنية ، و تيسير تمتعهم بالحقوق و الحريات المعترف بها للجميع .
و تأسيسا على المقتضيات الدستورية التي انصرمت الإشارة إليها ، جرى إعمال عدة إجراءات لضمان حق هذه الفئة في التربية و التعليم، و ذلك باعتماد آليات بيداغوجية و بنيات تربوية دامجة ، تسهل انخراطها ، بشكل متكافئ و ميسر، في المنظومة التعليمية بشكل خاص و المحيط المجتمعي بشكل عام . 

و سعيا منه إلى تعزيز المكتسبات التي تم ترصيدها في مضمار إصلاح المدرسة المغربية ، تبنى قطاع التربية الوطنية الرؤية الاستراتيجية 2015 / 2030 ،و التي تصب توجيهاتها في بناء مدرسة منصفة و ذات جودة . و في هذا الشأن، أعلنت الوزارة الوصية انطلاق الموسم الدراسي الحالي تحت شعار : "من أجل مدرسة مواطنة دامجة" ، و ذلك بتوظيف مقاربــة دامجة تــروم ضــمان الإنصــاف و المساواة في الاستفادة من الحق الكوني و الدستوري في التعليم . غير أن استشراء جائحة كوفيد 19 أربك كل الخطط التربوية ، وأجبر الوزارة على تعليق الدراسة الحضورية ضمانا للأمن الصحي للفاعلين التربويين . و هذا ما يطرح سؤالا بنيويا حول مدى مراعاة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن استراتيجية التعليم عن بعد .
قبل الإجابة على هذا السؤال ، لابد أن نعرج على مفهوم "الدمــج" باعتباره تحديــا للسياســيين والممارســين والباحثــين في الآن ذاته ، ذلك أنــه يتطلــب إعــادة هيكلة الخطط التربوية ، و مراجعة أدوار كل فاعــل على حدة ، بالإضافة إلى تبني مقاربة دامجة للتربية قائمة على طرق و منهجيات متطورة و قابلة للتأقلم مع السياقات و الوضعيات المختلفة الناتجة عن خصوصيات التنوع البشري .
لكن في الواقع ، تشير تقديرات المختصين إلى أن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة هي الأكثر تعرضا للتهميش في العالم حتى في الظروف العادية ، و تفاقمت معاناتها خلال فترة الحجر الصحي حيث تم إغفال توفير الوسائل الكفيلة بتقديم عرض تربوي مندمج يتماشى مع خصوصيتها ، علما أن عبارة "ذوي الاحتياجات الخاصّة" تستخدم للدّلالة على الأشخاص الذين تظهر لديهم اختلافات في القدرات العقليّة أو الجسديّة، أو الحسيّة، أو الخصائص السّلوكيّة، أو اللغويّة، و تميزهم عن الآخرين ، ممّا يعني حاجتهم إلى خدمات تربويّة خاصة . و قد ورد على لسان الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السيد "أنطونيو غوتيريش" أن حوالي مليار من هذه الفئة حول العالم هم من بين الأكثر تضررا فيما يتعلق بالوفيات بسبب كوفيد 19 ، كما أشار نفس المسؤول الأممي إلى أن هؤلاء يواجهون صعوبة في الحصول على المعلومات المتعلقة بالصحة العامة و تطبيق إجراءات النظافة الأساسية .
إن حجم السياسة الدامجة بالمغرب لا يرتبط ، فقط ، بتمدرس الأطفال في وضعيــة إعاقــة ، و إنما بإشكالية هيكلية كبرى، تسائل السياسة العامة للدولة ، و تتجلى في توفير شروط التمكين الاقتصادي و الاجتماعي لهذه الفئة ، وضمان تأهيلها النفسي و البيداغوجي و السوسيوتربوي و تيسير اندماجها، بمرونة ، داخل الأسرة بصفة خاصة و المجتمع بصفة عامة .
فعلى صعيد المؤسسة الأسرية ، تتراوح استجابات أسر الأطفال ذوي الإعاقة ، بين الصّدمة والإدراك والتقبّل والانسحاب الانفعاليّ، و ذلك خوفا من عدم القدرة على التعامل السليم مع متطلبات هذه الفئة التي تعاني ، كما ذكرنا ، من اضطرابات في السّلوكات و النّشاطات الفكريّة و الحركيّة ، ممّا يضطرّها للاعتماد على برامج أو أدوات أو أجهزة أو مساعدات للقيام بوظائفها الطبيعيّة بصورة شبه طبيعيّة .
إن فترة الأزمات ، و ما يترتب عنها من تغيرات اجتماعية ، مع ضعف المواكبة النفسية ، تؤدي إلى مشاكل لدى الأطفال و خصوصا ذوي الاحتياجات الخاصة ، و التي تزداد حدتها مع مرور الوقت ، من قبيل صعوبة التعلم ، اضطرابات التفكير ، اضطرابات السلوك الحادة ، الاكتئاب ، العدوانية ، وصولا إلى مشكلات أقل حدة تتمظهر في سوء تدبير الذات و عدم ضبط السلوك، و كل ما يحول دون تواصل و اندماج الطفل ، بشكل سليم ، داخل بيئته المجتمعية ، أو يعوق تحقيق نموه الطبيعي ، مما يلقي على عاتق الوالدين بمسؤولية أكثر جسامة و تعقيدا خلال فترة العزلة مقارنة مع الأيام العادية ،حيث يتم إقحامهم ، بشكل إجباري ،في التكفل اليومي بهؤلاء الأطفال . و هو ما يستدعي مساعدة هؤلاء الآباء في التوجيه عن بعد وإرشادهم للأساليب والطرق المتاحة للتخفيف من أثر الظرف الراهن وما يفرضه من قيود في الحركة والتنقل على الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية ، أومن لديهم تأخر تطوري ، أو أي مشكلة أخرى، مع ضرورة تطوير برامج دعم و تأهيل الأطفال في وضعية إعاقة و ذويهم عن بعد ، باعتماد تحليل السلوك التطبيقى الذي يعتبر من أهم البرامج العالمية لتعديل سلوك الأطفال ذوي الاعاقة بصفة عامة والأطفال التوحديين بصفة خاصة ،وقد ثبتت نجاعة البرنامج السالف الذكر في إكساب مهارات عديدة للأطفال في وضعية نفسية صعبة ، و بالتالي تفادي الاضطرابات النمائية، كالتوحد وتشتت الانتباه وفرط الحركة . علاوة على ما سبق ، يمكن للأولياء تعلم كيفية أداء تحليل السلوك التطبيقى ،و استخدامه مع أطفالهم ، خاصة و أن العنصر البارز في هذا التحليل هو التقييم الدقيق والمستمر لأداء الطفل، مع التركيز على تهذيب السلوك اللفظي الذي يجسد أي حركة قادرة على التأثير على شخص آخر ، فمن أهم المهارات التي يركز عليها تعليم الطلب الذي من خلاله يتمكن الطفل في وضعية إعاقة من الحصول على ما يريد و يساعده على ضبط بيئته و التخفيف من السلوكيات العنيفة و غير المرغوب فيها .
إن التدريب على السلوك اللفظي بالغ الأهمية ، حيث أن لديه تأثيرا فعالا على الحياة الاجتماعية للأطفال في وضعية إعاقة، و يوصى تعزيزه بآلية الاقتران التي تحبب إلى الطفل مكانا أو أشياء أو أشخاصا لاستعمال هذا الارتباط الوجدانيفي تلقينه سلوكيات و مهارات جديدة . دون إغفال أهمية أسلوب التعزيز الذي من خلاله نزيد في ظهور فرص و تكرار سلوك معين في المستقبل ، و نخفف إلى حد ما ، من وطأة الضغط النفسي الناجم عن العزلة الصحية .
من المفروض في التعليم الرسمي ، سواء كان حضوريا أو افتراضيا ، تحقيق كل الكفايات المعلن ، عنها وكل الأهداف التي تمت برمجتها ، سواء في التعاقدات المهنية أوالتعاقدات الديداكتيكية ، فخضوع ملايين الأشخاص للحجر الصحي ، جعل الكثير من غير أصحاب الاحتياجات الخاصة ،يشعرون للمرة الأولى بمعنى أن يعاني المرء من وجود عوائق خارجية تمنعه من ممارسة شؤون حياته اليومية بشكل طبيعي .
وإن كان التعليم عن بعد كما يقول "فيليب ميريو" يعمق اللاتكافؤ واللامساواة ، فلا يمكن ” للغياب” أن يحقق ما لم يحققه “الحضور” ، إذا كيف “للتعلم عن بعد “ ، خصوصا بالنسبة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ، أن يضمن تكافؤا في فرص يعجز الواقع الاجتماعي عن تحقيقها ؟

ذة رجاء قيباش / كاتبة / إعلامية م باحثة في علم الاجتماع / كوتش أسري و تربوي و مدربة معتمدة في التنمية الذاتية / 

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : ذة رجاء قيباش
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2020-06-25 16:03:00

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك