Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

الانفلات المجالي الجمعي La fugue Spatiale Collective - تفكيك لظاهرة الهيجان والاندفاع الفوري نحو الهجرة..

الانفلات المجالي الجمعي La fugue Spatiale Collective - تفكيك لظاهرة الهيجان والاندفاع الفوري نحو الهجرة..

قراءة سوسيولوجية في ما يحدث على الحدود:

منذ نشأة سوسيولوجيا الهجرة في القرن الماضي، تعددت المقاربات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة، وتنوعت الأسئلة المتعلقة بأسبابها ودوافعها وآثارها على الأفراد والجماعات والمجتمعات. غير أن التحولات الكبرى التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة دفعت الباحثين إلى مراجعة كثير من التفسيرات الكلاسيكية، التي كانت تختزل الهجرة في الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين بلدان الإرسال والاستقبال.

فلم تعد الهجرة تُفهم اليوم باعتبارها مجرد نتيجة للفقر أو البطالة، وإنما بوصفها جزءًا من نظام عالمي متحرك، تتفاعل داخله السياسات الدولية، والسياسات العمومية، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والديموغرافية، إلى جانب شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي والعلاقات العابرة للحدود.

 

ولهذا، لم يعد الباحثون يتحدثون فقط عن "الهجرة"، بل عن الحركية البشرية بكل أشكالها: المؤقتة والدائمة، الاقتصادية والسياسية، التعليمية، المهنية، الصحية، والسياحية. كما انتقل السؤال المركزي من: "لماذا يهاجر الناس؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "من يستطيع الهجرة؟ ولماذا يستطيعها؟"

 

فالقدرة على الهجرة أصبحت اليوم شكلًا من أشكال الرأسمال؛ فهي تحتاج إلى رصيد معرفي وتعليمي، وإمكانات مالية، وشبكات اجتماعية، وقدرات رقمية، ومعرفة بمسالك العبور وفرص الاستقرار. لذلك، فإن الهجرة ليست دائمًا تعبيرًا عن الفقر المدقع، بل قد تكون أحيانًا نتيجة ارتفاع سقف الطموحات، واتساع الآفاق، وتحسن القدرات الفردية والعائلية.

 

ومن هذا المنظور، فإن ما شهدته الحدود الشمالية للمغرب، خاصة أمام مدينة سبتة المحتلة، من محاولات عبور جماعية شارك فيها قاصرون، وشباب متمدرسون، وطلبة جامعيون، وعاطلون عن العمل، ونساء، بل وحتى أسر بأطفالها، لا يمكن اختزاله في تفسير اقتصادي بسيط أو في أحكام أخلاقية متسرعة.

 

إن هذه الظاهرة تقتضي التريث والتفكير العلمي، لأنها تعكس تداخل عوامل اجتماعية ونفسية وسياسية وثقافية ورقمية، ترتبط بطموحات الأفراد، وبصورة أوروبا في المخيال الجماعي، وبأثر المنصات الرقمية التي تعيد إنتاج أحلام الهجرة بسرعة غير مسبوقة، فضلًا عن تأثير الأخبار الزائفة، وحملات التعبئة الإلكترونية، وصراعات الجوار، والتوظيف السياسي والإعلامي لقضايا الحدود والهجرة.

 

ومن جهة أخرى، فإن التركيز الحصري على البطالة أو الفقر لا يكفي لفهم ما يحدث. فالتفاوتات المجالية داخل المغرب، والفجوات في فرص التنمية بين المدن الكبرى والمناطق الجبلية والواحات والسهوب والقرى، تشكل عنصرًا أساسيًا في تفسير ديناميات الهجرة، لكنها لا تفسرها وحدها. فالهجرة نتاج تفاعل بين الواقع الاقتصادي والبنيات الاجتماعية والثقافية والطموحات الفردية والعائلية.

 

وفي المقابل، لا يمكن إغفال مسؤولية السياق الأوروبي، وخاصة الإسباني. فقد عرفت إسبانيا، قبل الأزمة المالية لسنة 2008، طفرة اقتصادية كبيرة في قطاعات البناء والزراعة والسياحة والخدمات، وكانت في حاجة ماسة إلى اليد العاملة، الأمر الذي دفعها إلى اعتماد سياسات أكثر مرونة، وإطلاق عمليات واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، خاصة خلال سنوات 2000 و2001 و2005. وقد ترسخ لدى آلاف المهاجرين الاعتقاد بأن الوصول إلى التراب الإسباني قد يفضي لاحقًا إلى تسوية الوضع القانوني.

 

غير أن الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 غيّرت المشهد بصورة واضحة؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة، وتشددت سياسات الهجرة، وتعززت مراقبة الحدود، وتوسع التعاون بين إسبانيا والاتحاد الأوروبي ودول العبور، وفي مقدمتها المغرب وموريتانيا والسنغال.

 

ورغم هذا التشدد، تعيش إسبانيا اليوم مفارقة ديموغرافية واقتصادية واضحة؛ فهي من جهة تحتاج إلى المهاجرين بسبب الشيخوخة السكانية والنقص المتزايد في اليد العاملة داخل قطاعات الفلاحة والبناء والرعاية والخدمات، ومن جهة أخرى تواصل تشديد الرقابة على الهجرة غير النظامية استجابة لسياسات الاتحاد الأوروبي والضغوط السياسية الداخلية.

 

لذلك، فإن اختزال ما يحدث في مقولة: "إسبانيا فتحت الباب" أو "المغرب يعيش أزمة اجتماعية فقط" لا يساعد على فهم الظاهرة، لأن الهجرة اليوم هي نتيجة تفاعل معقد بين عدة عناصر متداخلة: الطلب الأوروبي على اليد العاملة، والفوارق الاقتصادية بين الضفتين، والشبكات الاجتماعية للمهاجرين، والسياسات الأوروبية، والتحولات الرقمية، والطموحات الفردية، والتمثلات الجماعية للمستقبل.

 

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمغرب ليس فقط كيف يحد من الهجرة غير النظامية، بل كيف يبني أفقًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا يجعل الشباب يشعر بأن المستقبل الممكن يوجد داخل الوطن بالقدر نفسه الذي يتخيله خارجه. فالهجرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي تعبير عن علاقة الإنسان بالأمل، وعن مدى ثقته في المستقبل الذي يراه أمامه.

 

يتبع..

المصطفى المريزق 

باحث في سوسيولوجيا الهجرات الدولية 

مؤسس الطريق الرابع

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : المصطفى لمريزق
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-07-31 01:01:06

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك