آخر الأحداث والمستجدات 

الحجر الصحي : حتى لا ننسى الحريات

الحجر الصحي : حتى لا ننسى الحريات

يجب ان نعلم أولا ما الذي نحاربه، حتى نستعد لمحاربته. من العبث ان نخرج لاصطياد وحيد القرن إذا كنا لا نعرف ان له قرنا واحدا. مناسبة هذا الكلام تعامل العالم مع وباء كورونا. فما يجهله العالم عن كوفيد 19 أكثر مما يعرفه. فهناك فرق بين الشيء وتصور حقيقته. رغم كل المجهودات المبذولة وما وصلته البشرية من تقدم علمي وتقني فان الفيروس وضع الانسان أمام محدودية معارفه. هذا الجهل جعل العالم يتخبط في مواجهة هذا الوباء وانقسم في طريقة مواجهته بين من دعي الى التباعد الاجتماعي دون الاغلاق التام وبين من فرض الحجر مع الاغلاق التام مما كان له تأثير قوي على أرزاق الناس وحريتهم. بسرعة فائقة وجد الناس أنفسهم أمام محددات قانونية طارئة حدت من تحركاتهم. قامت الحكومات بسن قوانين استثنائية تمنع تحركات الناس وتجمعاتهم تجنبا لانتقال العدوى، هذا الاجراء قوض من حرية التنقل وأعطى الاسبقية للحفاظ على الحياة وبدت الكثير من الحريات مفقودة: اختفى الحق في التنقل والتجمع، وليس قيم الحرية التي تأثرت وحدها بل مس الشلل اقتصاد العديد من البلدان. الا انه يبدو هذا خطأ عظيم والدول تسارع الزمن لتدارك هذا الخطأ بالرفع التدريجي للحجر، رغم غموض منحنى الوفيات والاصابات. ان العالم يريد الخروج من الحجر والإبقاء على التحسيس بمخاطر الوباء.

أظهرت إجراءات بعض الدول أنها ضحية قراراتها. فجأة وجدت الدولة نفسها خلال الأسابيع الاولى وحيدة في الفضاء العام وخلت الشوارع من المارة، أغلقت المدارس والمحاكم والمقاهي والمطاعم، وهي مفارقة غريبة اذ لا دولة بدون رعايا في الفضاء العام. ولم تستعد الدولة وظيفتها الأساسية الا عندما بدأ خارقي قانون الحجر في الظهور وبدأت شكاوى العنف المنزلي في الوصول، باعتبار الدولة هي وحدها مالكة الحق المشروع في العنف لإرجاع الأمور الى نصابها. وإذا نظرنا من حولنا واستسلمنا للفضول اليومي للتتبع الاخبار ووسائل التواصل الاجتماعي فانه يبدو ان بعض الدول كاليابان، كوريا الجنوبية والسويد ودول أخرى احتراما لحرية الناس في الاختيار حافظت على نسق الحياة العادية. اكتفت بالتحسيس بخطورة الوباء ودعوة الناس بالتباعد الاجتماعي وعدم الخروج الا للضرورية ولم تقم بأي اجراء قانوني ضد من يتواجد في الشارع وهو النموذج الذي تنحو باقي الدول الأخرى لاعتماده في انتظار إيجاد اللقاح والدواء.

يمكن اعتبار الانسان حر في اختياراته وهي أساس وجوده، ولا يكون كذلك الا باعتباره حرا ، يقول سارتر " اننا لا ننفصل عن الأشياء الا بالحرية " فمن دون حرية لا قيمة لوجود الإنسان. لكن يجب على الكائنات الإنسانية ان تصل الى مستوى من النضج بحيث تكون اشخاص مكتملة تفكر وتحس وتتصرف بنفسها لنفسها وللجميع للحفاظ على السلامة الشخصية وسلامة الاخرين وهذا يتطلب مستوى عال من فهم الذات والأخر. ومما يلفت النظر من خلال تعامل الافراد مع الوباء ان مستوى النضج لدى بعض المجتمعات وصل الى مستوى التقيد التام بالحركات الوقائية من الفيروس، وعدم الخروج الا للضرورة، مما مكنها من محاصرة الوباء والحفاظ على حركية الاقتصاد والحريات. بينما في بعض المجتمعات التي تنعدم فيه روح المسؤولية وهذا ناتج عن التربية في بيئة معادية للمجتمع حيث ظهرت تجمعات على الاسطح وأبواب العمارات. وجدت الدولة نفها مضطرة للتدخل لضبط بعض السلوكات المنحرفة والمضرة بالجميع، لكن يجب ان تعالج الامر كذلك على مستوى التعليم والتوعية لأن أهم محددات سلوك الراشدين هي التربية التي تلقوها في الصغر.

إذا استقصينا أثر التاريخ وواقعنا اليوم فإننا نتوصل الى نتيجة مفادها ان الأوبئة كما كانت قدر الماضي فإنها قدر الحاضر والمستقبل ويجب الاستعداد للتعايش معها ومن المتوقع ان تظهر سلالات جديدة للفيروس تختلف قليلا أو كثيرا من حيث خطورتها. ولا ندري ان كان هذا الوباء نقمة أو نعمة فكثيرا ما خرجت البشرية من مآسيها بنجاحات دفعت بها الى بر الأمان أفضل مما كانت عليها سابقا. وستظهر دول خرجت قوية من الازمة، ويبدو ان المغرب قد نجح في اقتناص بعض الفرص اذ سارع الى التوجه نحو الاستثمار في السلع التي تتطلبها الازمة من انتاج وتصدير الكمامات وأجهزة التنفس الاصطناعي وهي فرصة يمكن استغلال كل ما تتيحه من إمكانات الى ابعد مدى.

ان الانسان رغم المخاطر المحدقة به يبحث دائما عن الحرية لأنها سر وجوده وقد يدفعه البحث عنها الى القيام بأعمال طفولية حيث لا يتصور حياة الحجر في المنازل بدون حرية، مرد هذا الرفض تقييد حركته وعزله عن الطبيعة حيث تتم العمليات الحياتية بكل تلقائية. يبدو ولأسباب اجتماعية ونفسية يجب تكثيف من حملات التحسيس بمخاطر الوباء وتأطير المواطنين لينخرطوا بشكل ارادي نحو مزيد من الحذر مع إمكانية احترام الدولة لهامش الحرية المسموحة بها الى أن نخرج جميعا بسلام.

            محمد عليمو        

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : محمد عليمو
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2020-05-13 19:52:51

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك