آخر الأحداث والمستجدات 

استثمار الرأسمال النفسي و أثره على تدبير أزمة الجائحة

استثمار الرأسمال النفسي و أثره على تدبير أزمة الجائحة

لقد شكل اسشراء فيروس كورونا انقلابا  فجائيا و صادمًا عن  روتين المعتاد اليومي ، حول أفكارنا إلى كتلة ثقافية صماء ، قوامها  تباعد اجتماعي كشف عن خبايا الطابع المركّب لسّلوكيات فردية  قابلة للتعايش و للتّصادم في آن واحد ، قد تفضي إلى قطيعة سلوكية وذهنية، باعتبارها تجسيدا لمتانة الحس المدني والسلوك العقلاني لدى الأفراد من ناحية ، و خوفا من النتائج الوخيمة  لعدم الإلتزام  بالضبط الاجتماعي الذي فرضته حالة الطوارئ الصحية من ناحية أخرى .

تعودنا على اعتبار الالتزام  تقييدا للحرية  الانسانية ، و انتزاعا إجباريا من منطقة الراحة النفسية  la zone de confort،  أي المجال النفسي الذي يكون فيه الإنسان بكامل مهاراته وقدراته العقلية والجسدية (كما يعتقد) ، ويغنيه عن ممارسة اي جهد إضافي،  مما يفضي إلى حالة السلام العقلي والروحي الذي يعيشه ، وذلك عبر امتلاك المعرفة والإدراك السليم لكيفية الحفاظ على قوة النفس في تدبير الأزمات  ، يصحَب ذلك حالة نفسيَّة مستقرة سماتها الانسجام الفسيولوجي، والبَدَنِي، والنَّفْسِي، بين الإنسان وبيئته المجتمعية ، بغية السعي الإنساني نحو تحقيق الحرية الأصلية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من منظومة الالتزام انضباطا مع الشروط المجتمعية على أساس قوة الاختيار و ليس الإكراه و الإجبار إثباتا لقدرة الفاعلين على التكيف مع الأوضاع المختلفة للحياة الاجتماعية .

إن رصد الواقع الاجتماعي الشديد التركيب الذي فرضه علينا كوفيد 19 ، أكد أن الانتماء الاجتماعي وإقامة العلاقات تحكمه عدة دوافع وحاجات نفسية وفق الايديولوجيات السائدة ، فرغبات الذات الإنسانية لا يجب أن تكون تعبيرا عن الفردية ضد المجموع ، بل عن الفرد خدمة لمصالحه  و لمصالح الجماعة في آن واحد.

إن جدلية العلاقة بين مفهومي الالتزام و الحرية  شكلت على الدوام محور جذب و نقاش ، فسؤال الحرية يتجدد باستمرار بدلالة الأزمنة والوقائع، و في الغالب يتراوح بين قطبين قصويين أحدهما الفرد و الآخر الجماعة ، و يمكن لهذين الطرفين أن يطورا مساحة مشتركة أو حالة تعايش و هذا ما أقرته نظرية الأنساق الإيكولوجية التي تقوم على فرضية عامة مفادها أن الأفراد يستطيعون التكيف مع بيئاتهم التي يعيشون فيها لتحقيق التوازن في حياتهم  .

نفهم من هذا السياق أن الحرية  بالنسبة للجماعة  تعني التكامل والالتزام  و الانضباط  لما يسمى بحقوق جماعية  مبنية على حقوق الفرد وفق ضوابط العقد الاجتماعي المتفق عليه .

و تأسيسا على ما سبق ، فاتخاذ الدولة قرارات مصيرية و حاسمة مكنت المغرب  من تجاوز الفترة الحرجة  للأزمة و التي كانت لصالح المواطنين بالدرجة الأولى  و اعتماد السلطات العمومية بعدها للمقاربة التدرجية خلال  رفع الحجر  الصحي ببلادنا يعتبر تمرينا تطبيقيا لمدى استدماج الأفراد للقيم التي كانت سائدة خلال فترة تطبيقه ، و المتجلية أساسا في الالتزام  بمختلف مظاهره ، فهناك للأسف من تعامل  مع  قساوة ظروف العزلة الصحية  و ليس مع الأزمة  ،أي مع العرض و ليس المرض ، و عوض البحث عن حقيقة الأمور اهتم بالتنقيب عن نقط الاصطدام  بينه و بين عدو خفي و هو فيروس كورونا المستجد.

حري بنا و نحن نناقش مسألة تدبير الأزمات أن نقدم تأطيرا سوسيولوجيا لها باعتبارها ظاهرة اجتماعية ونفسية تمر بدورة حياة مثلها مثل أي كائن، فالأزمة باعتبارها   موقف أو حدث أو مجموعة أحداث متوقعة أو غير متوقعة لها بداية و نهاية ، تتسم بالخطورة والعمق واتساع التأثير، يجعل من الصعب السيطرة عليها ، فهي تفوق مستوى المشكل لتقترب في وقت وجيز من خط أحمر فاصل بين القضاء عليها أو الوقوع ضحية استهتار و سوء تدبير يقودنا إلى مرحلة أكثر حدة و تعقيدا و هي مرحلة الفوضى ، و ذلك بسبب تسارع الأحداث وحدتها ومجهولية تداعياتها مع تفاقم كلفتها الاقتصادية و الاجتماعية الخاضعة لعدة سياقات و حيثيات تصنفها إلى أزمة اقتصادية ، بيئية ، اجتماعية ،  نفسية تستوجب حتمية  استثمار مختلف الرساميل سواء كانت اقتصادية ، اجتماعية ، ثقافية ، بشرية و كذلك نفسية لتدبير أزمة الجائحة .

انطلاقا من هذه المقدمة الاستهلالية نتساءل كيف يمكننا استثمار رأسمال نفسي إيجابي لتدبير أزمة كوفيد 19 ؟

إن  الرأسمال النفسي  كمنظور حديث في تحقيق الالتزام التنظيمي ، هدفه الأساسي تطوير المورد البشري الذي يعتبر العامل الحيوي و الحاسم في بناء المجتمع خصوصا خلال ظروف استثنائية حولت محيطه المجتمعي إلى بيئة عيش تحمل طابع التحدي و المواجهة ، مما يفرض الحاجة إلى أشخاص بمستويات سلوك إدراكي و شعوري  أكثر مثالية  في ظل مناخ أخلاقي يشوبه التوتر و عدم الاستقرار خلال هذه الفترة ، و ذلك عن طريق تقديم مستويات أعلى من الطاقة الإيجابية  مع تعزيز و تطوير نقاط القوة و الابتعاد عن مصاصي الطاقة زيادة إلى التوفر على كفاءة ذاتية تجعلنا أكثر مرونة  أثناء البحث عن  حل المشكلات و تدبير الأزمات و ذلك سيكون ناجعا بإتقان فن ترتيب الأولويات . .

إذا وضعنا أزمة كوفيد 19 تحت مجهر التشريح السيكولوجي والتداخل التكويني في أبنيتها، وإذا ما عرفنا السلوك الفردي وطريقة تعامله والأسلوب الذي ينتهجه ، حينئذ يستقر الوصف العلمي للظاهرة ومن ثم معالجة تداعياتها. فمن بين القضايا الشائكة المرافقة للتحولات التي مست المنظومات القيمية خلال الأزمة  كيفية التأقلم مع التغيير الذي صار مطلبا اجتماعيا بسبب الظروف الاستثنائية التي نعيشها ، مع العلم بأن هذا الأخير من سمات الإنسان الذي لا يقبل بحالة الركود ،  لتتحول حياته إلى سباق مع الزمن باحثا عن تحديات جديدة لإثراء  معلوماته و صقل مهاراته الحياتية ،  مما يصاحبه  خوف من تحمل المسؤولية نتيجة  وضع تصورات مبالغ فيها لتأثير هذه الأحداث عليه ، فتحفيز الأفراد على استثمار رأسمال نفسي إيجابي بشكل موضوعي و مقنن ، سيؤثر يقينا  على حالتهم  النفسية ،  نتيجة انصهار و تفاعل عدة تركيبات نفسية ، من كفاءة ذاتية، و ثقة في النفس، ورؤية تفاؤلية ، و مرونة التفاعل الاجتماعي  مما يكون له تأثيرات تحفيزية خلال تدبير الأزمة .

العزلة الصحية جعلتنا  نعيش انفعالات التغيير عوض التعامل معه كمشروع عقلي و خطط استراتيجية قائمة على ظروف زمنية و مكانية و قدرات عقلية  و ظروف اجتماعية ، فالخلل يكمن أساسا في التفكير في التغيير دون وضع استراتيجيات عامة  له و آليات تطبيق قابلة للقياس كقواعد و منطلقات تعتمد ركائزا  أساسية .

الإيمان بمحدودية القدرات عند بعض الأفراد  يجعل أحيانا  سقف توقعاتهم منخفضا و بالتالي لا يحدثون تغييرا ملموسا في حياتهم ، عكس البعض الآخر الذي يجعل سقف توقعاته أعلى انطلاقا من ميولاته و انفعالاته و عواطفه بعيدا عن الواقعية ، فيتغير لكنه لا يستشعر ذلك التغيير لأنه يقارن ما حققه بسقف توقعات يفوق قدراته الشخصية و ظروفه المعيشية ، مع أننا نعي جيدا عدم قدرتنا على تغيير الآخر لكن على الأقل يمكننا توفير البيئة الاجتماعية المساعدة على ذلك بانتهاج سلوك الصحي واعتماد تواصل إيجابي.

 إن تدبير الأزمات ليس بالأمر الهين ، بل إنها محك لتحول مجتمعي حتمي و ممتد في الزمن له تداعياته و تبعاته في شتى الحقول سواء الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية . فالمسألة تستدعي التفكير في  مشروع مجتمعي قابل للتنزيل على أرض الواقع و ذلك  باستثمار رأسمال نفسي إيجابي لدى الأفراد برؤية شاملة و إيجابية لتدبير الأزمة  ، إيمانا بفعالية القدرات الذاتية لتذليل العقبات و القدرة على النهوض سريعا عند مواجهة المحن حفاظا على قيم الكرامة الإنسانية بالدرجة الأولى .

 ختاما تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن أن نبدأ و نحن خائفون من النهاية  ، فتدبير الأزمات فن لا يتقنه سوى من امتلك كلمة السر و هي "أنا المسؤول"  ، بعيدا عن  النزعة الطبيعية للبشر حينما يعانون من انتكاسة في حياتهم يتجهون بدون تفكير  نحو  لوم الآخر، فحتى  و إن لم يكن الفاعل الاجتماعي سببا  في الأزمة  لكنه مسؤول عن الالتزام بقوانين الضبط الاجتماعي وفاء لهويته الوطنية و تعزيزا لحسه المدني من جهة و  عن نهج الاستراتيجية  المناسبة لمواجهة الأزمة و ذلك باستكشافها  و معرفة أبعادها و التحكم في تداعياتها متمكنا من  المرتكزات الجوهرية للبناء الشخصي و التطوير الذاتي  من جهة أخرى ، لكي لا ندخل دوامة مراهنة خاسرة في إعادة ضخ دماء جديدة في حياتنا و نجد أنفسنا أمام جسم مجتمعي يلتقط أنفاسه الأخيرة يعاني من تشظي قيمي سببه عدم تناغم السياسات المنتهجة و قناعات الأفراد .

الأستاذة رجاء قيباش / إعلامية / كاتبة / باحثة في علم الاجتماع / كوتش أسري و تربوي و مدربة معتمدة في التنمية الذاتية .

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : الأستاذة رجاء قيباش
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2020-06-15 21:26:46

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك