آخر الأحداث والمستجدات
السياسة بمكناس وبيع الوهم في الاستعداد للانتخابات التشريعية
كم نستلذ بالوعود الفضفاضة اللامعة، وتلك الوعود التي تكون أكثر قُربا من أحلامنا، وأحلام مكناس المؤجلة. نُصفق للسياسي وهو يوزع وعوده بلا هوادة على كل الميكروفونات الملونة وبالمرونة والتنميق، وبلغة الناس اليومية في أسواق (الدلالة)، وكأنه في حملة استباقية لاسترداد ما تم تضييعه من زمن القرب من الساكنة والمدينة، وهمه الوحيد اكتساح همومهم اليومية الضائعة بالفهلوة.
مُعاودة ذكر الوعود وتعدادها، لم تختلف بتاتا عمَّا كانت عليه وعود المغاربة منذ زمن الاستقلال (1956)، لكنها اليوم تلونت بلغة الحداثة والأبهة، وقراءة رغبات الناس النفسية بالدغدغة والتدليك. بات المسؤول السياسي يرمي وعوده على قاعة الحضور، وكأنه يُمارس أدوار مجاذيب مدينة مكناس القدامى في رباعيات (مكناس طَارُوا اشْقُوفُوا...).
خلع السياسي ربطة عنقه وتركها على منصة الخطابة، بعدما أحس بضيق أنفاسه المختنقة، حين لاحظ أن القاعة كفت عن التصفيق، وأن كلماته لم تخترق أحاسيس حضور القاعة بالتنبيه. لكنه تابع توزيع الوعود بالنفعية وبسياسة التقسيط المريح. في لغته المفبركة المكونة من كلمات هشاشة شوارع المدينة المنتشرة، استعمل عدة عبارات وكلمات (منحطة) تجاه خصومه السياسيين المفترضين، بينما القاعة كانت تضحك من شدة التطاحن السياسي غير الناضج والرخيص.
ما تم رميه من الوعود يعرفها الجميع بحفظ ظاهر القلب وضبط كتابة، وحتى الدستور جعلها من الحقوق الثابتة والقارة، والتي على الدولة تحملها وتحمل تبعاتها. مكناس تتغير مواقفها من لغة الدولة في المحافل الكبرى والخطابة، الى لغة المقاهي الشعبية والتنكيت الرديء، هي السياسة التي تتلون بمكناس بمهارة الألسن، وقد تحمل في طياتها المندسة السخرية من السياسة والسياسيين والتابعين.
آه، من سياسيي الحملات الانتخابية الموازية من مكر وكيد بيِّن، فقد كان خطابه بداية يحمل الوقار والبسملة واستدعاء الحكم والهمم، وبعدها خلع جلباب الأناقة واقتنص من الذئب أنيابه ببيان خطط الاكتساح لا الإقناع. من حضر لخطاب السياسي الجديد في تلك القاعة البعيدة عن المدينة، يسخر من المشهد السياسي بمكناس حين يُصبح الحمل هو من يُعكر مجرى الماء رغم أن الثعلب هو من يحتل نبع الماء بالرعاية.
من الصعب الثقة بذاك الوقار في الخطاب السياسي، لأنه والله وقار مُصطنع يركب على موج النهر الجارف بالتغيرات الموسمية. في تلك القاعة المطلة على حديقة أنيقة، كان العرض السياسي يُقارب الكوميديا السوداء في لعبة (الكارطة السياسية) والتلوين بالمتغيرات والحاجيات.
غابت الاستراتيجيات والخطط والأرقام لنقد أداء مدينة مكناس في التمكين، وحضر التمويه في العمق، وفبركة الشخصيات وضرورة صناعة التغيير. من بؤس تلك القاعة التي التأم الجمع للمباركة، أنها كانت تمتص التصفيق المهذب، فقد لا تسمع الأيادي غير رؤية حركتها التي لا تصنع ضجيجا على إعلان الطاعة العمياء.
كل شيء في كلمة السياسي الصغيرة، كان مُهذبا غير لغته السوقية في نهاية إحياء التصفيقات ورفع الرؤوس بالموافقة. كان يسوق نفسه على أنه (المهدي) السياسي المنتظر، والذي سيعيد للمدينة نبع وادي بوفكران ونعيمها البيئي وتمكينها التاريخي. كان كلامه كله فضفاض وعمومي، لكن القاعة قامت وقوفا وصفقت قبل الاستحواذ على ما لذ وطاب من الأكل والمحليات في ليلة العشاء الكبير.
حين انتهى السياسي من الكلام المكتوب والمعسول، كانت الميكروفونات والهواتف تُوثق حضور اللحظة المفصلية عند سياسي الانتخابات الجدد. وقف الجميع ورفعوا أكفهم للسماء ثقة، وكأن الثقة منحة سماوية لا مصداقية اجتماعية وسياسية واقتصادية!!! انتهى السياسي من خطبته العرجاء، وكل من حضر بالقاعة كان يؤمن أنه يكذب ويعامل العقول بالسطحية وبيع سَلَمِ الوهم، وبالتجميل والحلم الأنيق، لكن كل من في القاعة من الأتباع ومن مناضلي التصفيق كانوا يؤمنون على تأجيل حقيقة الصدمة قليلا، والتي حتما سيلقنها الصندوق الانتخابي العقابي.
اليوم كانت خطابة السياسي الجديد الوافد بالإسقاطات المظلية عبارة عن نهم في احتلال كرسي مكانة السلطة التشريعية، وبدأ من الآن يُمارس مرونة سياسة الكذب والمراوغة وبيع الوهم، لحظتها اختتمت خطابة رمي أوراق اللعب السياسي على طاولة العشاء الكبير بالدعاء.
| الكاتب : | محسن الأكرمين |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-04-26 22:45:16 |











