آخر الأحداث والمستجدات
الدكتورة نسرين السنوسي تكتب : النساء والرجال في السياسة.. هل نعيش نقدا بمكيالين في المغرب ؟
في المغرب، لم تعد مسألة مكانة المرأة في السياسة مجرد مبدأ دستوري يتعلق بالمساواة، بل أصبحت اختبارًا ديمقراطيًا حقيقيًا. فبعيدًا عن النصوص القانونية، يتجلى الجوهر في واقع السلطة، والنقاش العمومي، والتقييم السياسي: هل تتمتع النساء فعليًا بنفس قواعد اللعبة التي يخضع لها الرجال؟
على الرغم من المكتسبات المؤسساتية التي لا يمكن إنكارها، إلا أن هناك واقعًا يفرض نفسه: لا يزال وصول النساء إلى مناصب صنع القرار محدودًا، وهشًا، وغالبًا ما يكون محط نقاش. وهذه الهشاشة لا تُقرأ في الأرقام الفصيحة فحسب، بل في طريقة تمثلّهن، وتقييمهن، وتعريضهن للأضواء في الفضاءين السياسي والإعلامي.
مساواة مُعلنة وواقع غير متكافئ
يكرس الدستور المغربي بوضوح المساواة بين النساء والرجال، ويشجع على المناصفة في الولوج إلى المسؤوليات. على الورق، يبدو المبدأ راسخًا.
لكن على أرض الواقع، لا تزال الفجوة قائمة؛ حيث تظل النساء أقلية في دوائر صنع القرار، سواء داخل الحكومة أو في الهياكل الحزبية. وحتى عندما يَلِجْن إليها، فإنهن غالبًا ما يشغلن مناصب تظل فيها هوامش اتخاذ القرار الفعلي محدودة.
علاوة على ذلك، لا يقتصر هذا الاختلال على التواجد العددي فحسب، بل يمتد ليشمل طبيعة المسؤوليات المُسندة إليهن. فالمسارات السياسية النسائية لا تزال في كثير من الأحيان محصورة في أدوار ثانوية أو حقائب وزارية أقل استراتيجية، وكأن الولوج إلى قلب السلطة يظل مشروطًا.
فاطمة الزهراء المنصوري: نقد سياسي طبيعي في سياق ما قبل انتخابي، أم صعوبة في تقبل بروز قيادة نسائية؟
في هذا السياق، يفرض نموذج فاطمة الزهراء المنصوري نفسه في النقاش العمومي. فبصفتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وفي الوقت نفسه شخصية محورية في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، فإنها تجمع بين يديهما تجربة سياسية نادرة عند هذا المستوى من المسؤولية.
إن مسارها، المتميز على وجه الخصوص بتدبير عمودية مدينة مراكش والاضطلاع بمهام وزارية استراتيجية، قد وضعها في قلب المشهد السياسي الوطني.
لكن هذا البروز له وجه آخر: تعرض دائم للنقد، والجدل، والتشكيك. وهنا يطرح سؤال نفسه بقوة متزايدة في القراءات السياسية: هل نحن أمام نقد سياسي كلاسيكي مرتبط بالرهانات الانتخابية المقبلة، أم أننا نشهد شكلًا من أشكال المقاومة الضمنية لفكرة قدرة امرأة على الوصول إلى هرم السلطة التنفيذية؟
هذه الفرضية لم تعد نظرية؛ فاحتمال أن تقود امرأة الحكومة المغربية يومًا ما لم يعد ينتمي تمامًا إلى مجال التوقعات البعيدة، بل أصبح مدرجًا ضمن الديناميات السياسية المعاصرة. ووفقًا لبعض التحليلات، فإن هذا الأفق بالذات هو ما قد يفسر تصاعد بعض الهجمات، أو الشائعات، أو محاولات إسقاط المشروعية.
نقد سياسي بـ "هندسة متغيره"؟
من الضروري التذكير بأن النقد السياسي ليس مشروعًا فحسب، بل هو ركيزة أساسية لكل ديمقراطية؛ فبدونه لا يمكن قيام أي سلطة مضادة، ولا ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا تحقيق الشفافية.
لكن السؤال المطروح هنا يكمن في مكان آخر: هل يُطبق هذا النقد فعليًا بنفس المعايير على الجميع؟
هل يتم تقييم جميع المسؤولين السياسيين وفقًا لنفس المقاييس، وبنفس الصرامة، ومع نفس الاشتراط بتقديم الأدلة؟ أم أننا نلاحظ، في بعض الحالات، حدة متفاوتة، وتركيزًا أقوى، بل وتشخيصًا مفرطًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات نسائية؟
لا يهدف هذا النقاش إلى إعفاء النساء من النقد، بل يتساءل بالأحرى عن وجود عدم تماثل محتمل في الطريقة التي يُبنى بها النقد، ويُنقل، ويُضخّم.
المساواة في النقد: مبدأ لم يكتمل بعد
إن المساواة في النقد لا تعني الحماية، ولا التساهل، ولا المعاملة التفضيلية. إنها تعني شيئًا واحدًا بسيطًا: نفس القواعد للجميع.
وهذا يفترض تقييمًا مبنيًا على معايير موضوعية: النتائج السياسية، حصيلة العمل العمومي، القدرة على الحكامة، والأثر الفعلي للسياسات المتبعة؛ وليس بناءً على التمثلات، أو الشائعات، أو القراءات المتحيزة.
كما يفترض أيضًا مسؤولية متكافئة: نفس المتطلبات، نفس مناهج المراقبة، ونفس معايير التقييم، بغض النظر عن النوع الاجتماعي (الجنس).
وأخيرًا، يستلزم ذلك انضباطًا في النقاش العمومي: تجنب الهجمات الشخصية، والقراءات الذاتية، أو محاكمات النوايا التي تنقل النقاش من الحقل السياسي إلى الحيز الشخصي.
: من أجل فضاء سياسي أكثر نضجًا
إن جودة الديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية التعبير، بل بالطريقة التي تتعامل بها مع من يمارسون السلطة. فالنقاش العمومي المتوازن والمستند إلى تماسك وصرامة يعزز الثقة، في حين أن النقاش غير المتكافئ، أو الانقائي، أو الانفعالي يضعفها.
في العمق، لا تتعلق المسألة بمكانة المرأة في السياسة فحسب، بل تتعلق أيضًا بجودة النظرة التي يلقيها المجتمع على قادته.
وإذا كانت المساواة هدفًا مُعلنًا، فيجب أن تصبح واقعًا في مجال غالبًا ما يتم إغفاله: مجال النقد السياسي نفسه. ذلك أن الديمقراطية لا تتقدم حقًا إلا عندما تكون قواعد التقييم واحدة للجميع دون استثناء.
نسرين السنوسي
دكتورة مؤهلة للإشراف على الأبحاث في علوم التدبير
| الكاتب : | الدكتورة نسرين سنوسي |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-07-06 20:08:49 |











