آخر الأحداث والمستجدات
رسائل الملك للقطاع المالي.. أستاذ جامعي بمكناس : لا صناعة قوية بدون تمويل شفاف و"مساءلة" صارمة
حمل خطاب العرش بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش، رسائل اقتصادية بالغة الأهمية، تؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية بالمملكة. وفي هذا السياق، اعتبر الأستاذ عصام ابن حيون، الخبير المحاسب (CPA) والأستاذ بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بمكناس، أن الخطاب الملكي يشكل "انعطافة كبرى" في قراءة وتوجيه الاستراتيجية الاقتصادية للمغرب في ظل نظام عالمي جديد.
وأوضح ابن حيون، في قراءة تحليلية لمضامين الخطاب، أن الإشارة الملكية الصريحة لعودة النزعات الحمائية وضرورة تأمين سلاسل الإمداد، تعكس وعياً عميقاً بالتحولات التي يشهدها العالم منذ أزمة كورونا والحرب في أوكرانيا والتنافس التكنولوجي بين القوى العظمى.
وأكد الخبير أن المغرب، من خلال تعزيز قطاعات السيارات، الطيران، الصناعات الغذائية والدوائية (التي باتت تغطي 80% من الحاجيات الوطنية)، "لم يعد يكتفي بمواكبة تحولات الاقتصاد العالمي، بل يسعى لاستباقها عبر جعل السيادة الإنتاجية رافعة حقيقية للمناعة الاقتصادية".
ولفت الأستاذ الباحث إلى أن الأرقام والتوجهات التي حملها الخطاب الملكي تجد ترجمتها الفعلية في مشاريع ضخمة أطلقت مؤخراً. واستدل على ذلك بقطاع الطيران، حيث تعزز المجمع الصناعي لمحركات الطائرات (سافران) بإطلاق مصنع لإنتاج أنظمة الهبوط باستثمار يناهز 280 مليون يورو.
وفي قطاع البطاريات الكهربائية، توقف ابن حيون عند المصنع الضخم للمجموعة الصينية "غوشن هاي تك" بالقنيطرة (بطاقة 20 جيغاوات/ساعة)، والذي يتعزز باستثمار إضافي بقيمة 3.6 ملايير درهم لمجموعة "BTR" بطنجة.
أما في قطاع الهيدروجين الأخضر، فقد أشار الخبير إلى دخول المغرب مرحلة التنفيذ بتوقيع عقود لستة مشاريع كبرى في الأقاليم الجنوبية، باستثمار ضخم يقارب 319 مليار درهم (حوالي 32.5 مليار دولار)، تقودها تحالفات دولية ووطنية. واعتبر أن "هذه الأوراش تمنح محتوى ملموساً لمفهوم السيادة الإنتاجية الذي نادى به جلالة الملك".
رغم ضخامة هذه المشاريع، يرى الباحث المتخصص في المالية والمحاسبة، أن الفقرة الأكثر حسماً في الخطاب الملكي هي تلك التي وُجهت للمؤسسات المالية، داعية إياها لدعم الاستثمار والشركات الصغرى والمتوسطة وتعبئة الادخار الوطني.
وفكك ابن حيون هذه الرسالة موضحاً أن "السيادة الصناعية لا يمكن أن تستدام دون سيادة مالية". فالصناعات الاستراتيجية المذكورة تتطلب رؤوس أموال ضخمة وآليات تمويل فعالة. وهنا يبرز التحدي الأكبر: الثقة.
ويشرح الخبير الاقتصادي أن تعبئة المدخرات والتمويل البنكي تشترط وجود معلومات مالية شفافة، وحكامة صلبة، وآليات تدقيق صارمة تقلص ما يسمى بـ"التباين في المعلومات" بين الشركات ومموليها.
انطلاقاً من هذا المعطى، يرى ابن حيون أن الخطاب الملكي يرسم دوراً استراتيجياً جديداً لمهنة المحاسبة والتدقيق المالي، حيث لم يعد دور الخبراء المحاسبين تقنياً صرفاً، بل أصبحوا "ركنًا أساسيًا لإنتاج الثقة الضرورية لتمويل الاقتصاد الحقيقي".
وخلص الخبير في تحليله إلى أن التحدي القادم للمغرب لن يقتصر على بناء المصانع وجلب الاستثمارات، بل في تقوية وبناء "هندسة مالية" وطنية صلبة. مشدداً على أن التنافسية في عالم اليوم باتت تعتمد على مبدأ "المساءلة وتقديم الحساب" (Accountability)، كشرط أساسي لإلهام ثقة المستثمرين والمواطنين، وضمان نجاح المرحلة المقبلة من التنمية الاقتصادية بالمملكة.
| الكاتب : | هيئة التحرير |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-07-31 14:26:06 |











