Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

بعد ظهوره الموفق في برنامج للحديث بقية.. هل أنصف المغاربة عبد الله بووانو أكثر مما أنصفته مكناس ؟

بعد ظهوره الموفق في برنامج للحديث بقية.. هل أنصف المغاربة عبد الله بووانو أكثر مما أنصفته مكناس ؟

لم يكن الظهور الإعلامي للدكتور عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، مساء الخميس، في برنامج "للحديث بقية" الذي تبثه القناة الأولى، مجرد مشاركة عابرة في نقاش سياسي، بل كان مناسبة أعادت إلى الواجهة واحدا من أكثر السياسيين حضورا في المؤسسة التشريعية، وأحد أبرز الوجوه التي طبعت العمل البرلماني المغربي خلال العقدين الأخيرين.

فالرجل، الذي تحدث بهدوء الواثق ولغة السياسي المتمكن من تفاصيل الملفات، قدم مرة أخرى صورة البرلماني الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة التشريعية والقدرة على المحاججة بالأرقام والمعطيات، بعيدا عن الشعبوية والإنشاء السياسي. وهو ما يفسر، بغض النظر عن المواقف الحزبية، استمرار حضوره كأحد أبرز أصوات المعارضة داخل البرلمان، ورقم يصعب تجاوزه في أي نقاش سياسي وطني.

 

ولعل أصدق مؤشر على صدى الخرجة الإعلامية لعبد الله بووانو لم يكن ما قيل داخل الاستوديو، بل التفاعل العفوي الذي أعقب الحلقة على صفحة القناة الأولى وعشرات الصفحات التي أعادت نشر مقتطفات منها. فبعيدا عن الحملات المنظمة والخطابات الجاهزة التي تروجها الآلات الانتخابية والحسابات المزيفة والذباب الالكتروني، أجمعت نسبة كبيرة من التعليقات العفوية للمواطنين على الإشادة بأدائه البرلماني، معتبرة أنه من السياسيين القلائل الذين ما زالوا يمنحون للعمل التشريعي والرقابي معناه الحقيقي، وهو انطباع لا يحتاج إلى تأويل، لأن التعليقات ما تزال منشورة ومتاحة لكل من أراد الاطلاع عليها.

 

لكن المفارقة أن هذا التقدير الذي يحظى به بووانو على الصعيد الوطني لا يقابله، لدى بعض الأصوات بمكناس، الإنصاف نفسه. فهناك من لا يزال يختزل حصيلته في سؤال ساذج: "ماذا قدم لمكناس؟"، وكأن البرلماني لا قيمة له إلا إذا كان يلتقط الصور في المناسبات أو يوزع الوعود الانتخابية.

 

والحقيقة أن عبد الله بووانو أعاد، إلى حد بعيد، الاعتبار للعمل البرلماني بمعناه الدستوري. فمن موقعه كرئيس للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، قاد المعارضة في واحدة من أدق المراحل السياسية، وكان في مقدمة من فتحوا ملفات تضارب المصالح، والأرباح الاستثنائية لشركات المحروقات، والقدرة الشرائية للمواطنين، والشفافية في تدبير المال العام، مستعملا الآليات الدستورية من أسئلة ومداخلات وطلبات تشكيل لجان تقصي الحقائق، حتى أصبح صوته من أكثر الأصوات حضورا وإزعاجا للحكومة تحت قبة البرلمان.

 

ولم يمنعه هذا الدور الوطني من مواصلة الترافع عن قضايا مدينته. فقد شارك إلى جانب رئيس جماعة مكناس الحالي وعدد من برلمانيي المدينة في لقاءات مع مسؤولين حكوميين أثمرت تقدما في عدد من الملفات، من بينها استكمال مشروع تأهيل الأحياء الناقصة التجهيز، الذي رصد له غلاف مالي يقارب 10 مليارات سنتيم من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إضافة إلى مساهمة جماعة مكناس بأربعة مليارات سنتيم، ليستفيد منه 34 حيا. كما يظل الشطر الثاني من برنامج تثمين وتأهيل المآثر التاريخية من المشاريع المنتظر إطلاقها، إلى جانب مواصلة تنفيذ مشاريع تهيئة وتثنية عدد من المحاور الطرقية التي تمت برمجتها خلال الولاية السابقة، هذا دون أن ننسى دوره المحوري في إخراج مشروع ملعب مكناس الكبير، مستغلا علاقته الجيدة بفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

 

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو أن بووانو يحقق كل هذا وهو لم يعد يحظى بالوزن الانتخابي نفسه الذي كان يتمتع به قبل سنوات، بعدما كان حزب العدالة والتنمية القوة السياسية الأولى بمكناس، والحزب الوحيد الذي نجح في الفوز بمقعدين برلمانيين بالدائرة. ومع ذلك، لم يتراجع حضوره داخل البرلمان، بل ازداد حضورا وتأثيرا، لأن مكانته لم تعد مرتبطة بعدد الأصوات التي حصل عليها، وإنما بما راكمه من تجربة وكفاءة واحترام داخل المؤسسة التشريعية.

 

في المقابل، يحق للرأي العام أن يتساءل عن حصيلة عدد من ممثلي مكناس الآخرين. فما الذي قدموه للمدينة أو للناخبين؟ وما هي المبادرات التشريعية التي تحمل أسماءهم؟ وكم سؤالا شفويا وجهوه للحكومة؟ وكم مرة دافعوا عن قضايا الإقليم تحت قبة البرلمان؟ ويكفي أن نستحضر هنا أن البرلماني الذي حصد الأخضر واليابس في الانتخابات الأخيرة، يوجد اسمه ضمن لائحة  ال41 برلماني الذين لم يتحدثوا طيلة الولاية الحالية 2021 2026، لا سؤال شفوي ولا نقطة نظام ولا تعقيب، الأمر الذي تستحق بالفعل دراسة أكاديمية معمقة، بل قد تكون موضوع أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية أو علم الاجتماع الانتخابي، لفهم كيف يختار جزء من الناخبين ممثليه داخل أقوى مؤسسة دستورية في البلاد، وهي المؤسسة التي تشرع القوانين المؤثرة في تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، من الضرائب والاستثمار والتعليم والصحة إلى القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.

 

إن هذه الأسئلة ليست للتقليل من أحد، وإنما لتأكيد أن تقييم البرلماني يجب أن يكون مبنيا على الحصيلة لا على الشعارات، وعلى الأثر لا على الضجيج، وعلى العمل داخل المؤسسات لا على الحملات الانتخابية الموسمية.

 

قد يختلف المواطن مع عبد الله بووانو سياسيا أو حزبيا، وهذا حق مشروع، لكن من الصعب إنكار أنه أصبح مدرسة في الأداء البرلماني، وأن حضوره الرقابي والتشريعي جعله أحد أبرز الوجوه السياسية في المغرب. ومن الإنصاف أن يقال إن الرجل نجح في أن يمنح المعارضة صوتا مسموعا، وأن يعيد الاعتبار لدور البرلمان في الرقابة والمساءلة، في وقت اختار فيه كثيرون الصمت أو الاكتفاء بعضوية مجلس النواب دون بصمة تشريعية أو رقابية تذكر.

 

فبعيدا عن الحسابات الانتخابية، استطاع عبد الله بووانو أن يفرض نفسه من خلال الحضور المستمر، والمرافعة، والتشريع، والرقابة، حتى أصبح اسمه يرتبط بالفعل البرلماني أكثر مما يرتبط بالمواسم الانتخابية. وهذه، في النهاية، هي القيمة الحقيقية لأي نائب: أن يُعرف بما ينجزه داخل البرلمان، لا فقط بما يحققه يوم الاقتراع.

 

لذلك، فإن المقارنة بين بووانو وغيره من ممثلي مكناس لا ينبغي أن تكون مقارنة بين أشخاص، بل بين حصيلتين؛ بين نائب فرض اسمه في النقاش الوطني، وبين آخرين ما زال المواطن يبحث عن أثرهم داخل المؤسسة التي انتخبهم لتمثيله فيها. ففي السياسة، كما في كل المجالات، لا تُقاس القيمة بعدد المقاعد، وإنما بحجم التأثير، ولا بعدد الأصوات المحصلة يوم الاقتراع، وإنما بما يتركه المنتخب من أثر في خدمة المواطنين والدفاع عن قضاياهم.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : المكناسي عثمان
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-08-07 17:59:02

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك