آخر الأحداث والمستجدات
عبد الجبار خلوقي يكتب : جمال آفل في قلب المدينة العتيقة بمكناس.. من ينقذ ذاكرة الرياضات والدور القديمة؟
وأنا أمر من زقاق القرموني بالمدينة العتيقة بمكناس، استوقفني مشهد يصعب على عاشق للمعمار المغربي الأصيل أن يمر أمامه دون أن يتوقف طويلا. هناك، بين الأزقة العتيقة، تقف بقايا دار تقليدية فخمة، تحمل على جدرانها وآثارها ملامح جمال معماري آفل، وكأن الزمن ترك فيها لوحة نادرة قبل أن يبدأ في محو تفاصيلها.
مشهد سريالي تختلط فيه روعة الماضي بمرارة الحاضر؛ زليج، وفسيفساء، وجبص، وخشب، ورخام وحجر، ومقرنصات، وزخارف، وتوريق...كلها عناصر كانت يوما جزءا من فضاء معماري متكامل، قبل أن تنال منه يد الإهمال وعوامل الزمن.
هذا المشهد يمكن النظر إليه من زاويتين.
الأولى، زاوية التأمل في عبقرية الأجداد الذين لم يكونوا يبنون مجرد مساكن، بل كانوا يصنعون فضاءات تجمع بين الوظيفة والجمال، حتى إن الرياضات والدور التقليدية في المدن العتيقة كانت أشبه بمتحف حي لفنون العمارة والصناعة التقليدية المغربية. ولعل تعليق أحد المارة الذي كان يسير ورائي، وهو يتأمل المشهد، يلخص هذه الفكرة ببساطة حين قال: «اللي كيعيش فهاد الجمال ما يمكنش يجيه الاكتئاب».
أما الزاوية الثانية، فهي زاوية الأسى على ما آلت إليه هذه الدور والرياضات من تدهور وانهيار. فالمؤلم ليس سقوط جدران قديمة فحسب، وإنما ضياع تفاصيل فنية ومعمارية قد لا يمكن استعادتها إذا اندثرت نهائيا.
إن كل قطعة زليج، وكل نقش على الجبص، وكل خشب منحوت، وكل عمود رخامي أو حجر مصقول، يمثل جزءا من ذاكرة مكناس وتراثها العمراني. إنها عناصر تحكي، بصمت، عن ذوق فني وحرف يدوية وطرق في البناء تناقلتها أجيال.
ومن هنا يطرح المشهد سؤالا مشروعا: ما مصير الرياضات والدور التقليدية المهددة بالانهيار داخل المدينة العتيقة بمكناس؟
صحيح أن هناك برامج ومشاريع رسمية لإعادة تأهيل المدينة العتيقة وترميم عدد من معالمها التاريخية، غير أن التحدي يبدو أكبر من ترميم المعالم الكبرى وحدها. فالتراث العمراني لمكناس لا يختزل في الأبواب والأسوار والقصور والمعالم الشهيرة، وإنما يشمل أيضا ذلك النسيج العمراني المتكون من مئات الدور والرياضات والأزقة التي تمنح المدينة شخصيتها وروحها.
والسؤال الأهم هنا: هل يوجد جرد شامل لهذه الدور والرياضات ذات القيمة التاريخية والفنية؟ وكم منها أصبح مهدداً بالانهيار؟ وما هي الآليات المتاحة لمساعدة ملاكها على ترميمها وإنقاذ عناصرها المعمارية قبل فوات الأوان؟
فالحفاظ على هذه المباني ليس مجرد مسألة جمالية، ولا ترفا يمكن تأجيله. إنه حفاظ على ذاكرة مدينة وعلى جزء من هوية مكناس وتراثها الحضاري.
قد تنهار دار قديمة في أحد أزقة المدينة، وقد يبدو الأمر للبعض مجرد سقوط لبناية متهالكة، لكن الحقيقة أن ما يسقط معها قد يكون صفحة كاملة من تاريخ المدينة، أو صنعة من صنائع الزليج او الجبص او الخشب لم يعد لها من يتقنها...
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال أمام مثل هذا المشهد هو: «لا مشى الزين كيبقاو حروفو».
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً هو: هل سنترك لهذا الزين أن يمضي، أم سنبادر إلى إنقاذ ما تبقى منه قبل أن يصبح مجرد حروف في ذاكرة مكناس؟
| الكاتب : | عبد الجبار خلوقي |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-08-21 14:07:48 |














