آخر الأحداث والمستجدات
أزمة النقل الحضري بمكناس تعيد فتح ملف تأخر تنزيل نظام المقاطعات بالمدينة
أعادت أزمة النقل الحضري بمكناس، وما رافقها من صعوبات في تأمين الربط بين المدينة والجماعات المجاورة، فتح نقاش قديم حول الطريقة التي يتم بها تدبير المجال الحضري للعاصمة الإسماعيلية، ومدى ملاءمة التقسيم الجماعي الحالي مع واقع توسع المدينة وترابطها اليومي مع ويسلان وتولال وغيرها من الجماعات المحيطة.
فالمشكل لا يتعلق فقط بالحافلات أو بالشركة التي تتولى تدبير القطاع، وإنما يكشف، في جانب منه، عن إشكالية أعمق مرتبطة بتعدد الجماعات المتدخلة في مجال حضري واحد. فعندما تنتقل حافلة من مكناس إلى ويسلان أو تولال، فإنها تعبر حدودا ترابية بين جماعات مستقلة، وهو ما يجعل تمديد الخطوط أو إحداث خطوط جديدة يحتاج إلى ترتيبات واتفاقيات وطلبات بين المجالس المعنية، بدل أن يكون القرار جزء من منظومة تدبير حضري موحدة.
وتكشف وثائق جماعة مكناس نفسها أن هذه الإشكالية ليست جديدة؛ ففي سنة 2017، صادق المجلس على مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بتمديد أو إحداث خطوط للنقل الحضري نحو جماعات مجاورة، من بينها تولال وويسلان وعين عرمة وعين كرمة وواد الرمان والدخيسة وغيرها، وهو ما يعكس عمليا تعدد المتدخلين في شبكة تخدم مجالا حضريا مترابطا نوعا ما.
في المقابل، اختار المغرب منذ سنة 2003 نموذجا مختلفا بالنسبة لست مدن كبرى، هي الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس وسلا، حيث تخضع الجماعات لنظام المقاطعات في إطار ما يعرف بوحدة المدينة. وقد كرّس القانون التنظيمي رقم 113.14 هذا الوضع، ونص صراحة على خضوع هذه المدن لنظام خاص، مع وجود مجلس جماعي ومجالس للمقاطعات.
ولا يعني ذلك أن المدن التي تعتمد نظام المقاطعات خالية من المشاكل أو أن هذا النموذج نجح في جميع القطاعات؛ فالمجلس الأعلى للحسابات سجل بدوره، في تقرير حديث، محدودية وعيوبا مرتبطة بنظام الجماعات ذات المقاطعات، من بينها غياب رؤية موحدة ومتناسقة لتدبير المدن الكبرى وتشتت بعض وسائل العمل. وبالتالي، فإن المقارنة لا تعني أن المقاطعات وحدها كفيلة بحل مشاكل النقل أو النظافة، وإنما تطرح سؤالا حول مدى قدرة نموذج "وحدة المدينة" على تسهيل تدبير مرافق تمتد عمليا خارج الحدود الإدارية للجماعة.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالنقل الحضري، باعتباره مرفقا لا يتوقف عند الحدود الإدارية. فالقانون التنظيمي للجماعات يضع النقل العمومي الحضري ضمن الاختصاصات الجماعية، كما أتاح للجماعات إنشاء مجموعات جماعات ترابية أو مؤسسات للتعاون بين الجماعات بهدف إنجاز أعمال مشتركة أو تدبير مرافق ذات فائدة مشتركة. وهذا يعني أن الإطار القانوني يوفر آليات للتعامل مع المجالات الحضرية المتداخلة، حتى خارج نظام المقاطعات.
وبالنسبة لمكناس، فإن السؤال الذي تطرحه أزمة الحافلات اليوم لا يرتبط فقط بموعد وصول الأسطول الجديد أو الجهة التي ستدبر القطاع، وإنما يتجاوز ذلك إلى طبيعة الحكامة الترابية نفسها: هل يمكن تدبير النقل الحضري لمكناس بمعزل عن ويسلان وتولال وباقي الجماعات المرتبطة بها يوميا؟ وهل تكفي اتفاقيات تمديد الخطوط بين المجالس، أم أن المجال الحضري يحتاج إلى مؤسسة موحدة قادرة على التخطيط لشبكة النقل على مستوى المجال ككل؟
واللافت أن مشاكل التدبير المفوض للنقل الحضري بمكناس ليست وليدة الأزمة الحالية؛ فقد سبق للمجلس الجهوي للحسابات أن سجل، في تقرير سابق حول تدبير المرفق، ملاحظات تتعلق بعدم احترام بعض الالتزامات التعاقدية، من بينها تنفيذ برنامج الاستثمار وتجديد وتقوية الأسطول. كما طُرح ملف النقل الحضري بمكناس ونواحيها أمام البرلمان سنة 2024 باعتباره من الإكراهات التي تواجه سكان المدينة ومحيطها، وهو ما دفع المجلس الجماعي خلال الفترة الأخيرة إلى تسجيل عدة مخالفات وتغريم الشركة المفوض لها تدبير القطاع، قبل أن ينتهي الأمر بفسخ العقد بعد عجزها عن مواصلة تقديم الخدمة.
ولا يقتصر النقاش على النقل وحده، فهناك حاجة ملحة اليوم إلى آليات قوية للتنسيق في قطاعات مثل النظافة والتطهير والتنقل والتهيئة. فضلا عن خدمات أخرى تتعلق بقطاعات حكومية أو مؤسسات مستقلة كالأمن، فكيف يعقل أن أحياء حضرية تعتبر امتدادا لمدينة مكناس غربا وشرقا تابعة للدرك الملكي وأمامها أحياء تبعدها بخطوات قليلة تخضع للأمن الوطني.
وبذلك، فإن أزمة النقل الحضري الحالية قد تكون مناسبة لإعادة طرح سؤال ظل حاضرا.منذ سنوات: هل تحتاج مكناس، بالنظر إلى توسعها العمراني وترابطها اليومي مع الجماعات المحيطة، إلى إعادة التفكير في نموذج الحكامة الترابية، سواء عبر نظام المقاطعات أو عبر مؤسسة قوية للتعاون بين الجماعات تتولى تدبير المرافق التي تتجاوز الحدود الإدارية لكل جماعة؟
فبعد أكثر من عقدين على اعتماد نظام المقاطعات في المدن الست الكبرى، وبعد سنوات من التقارير التي ناقشت إشكالات الحكامة الجماعية، يبدو أن التحدي الحقيقي بالنسبة لمكناس لم يعد فقط في توفير الحافلات، وإنما في إيجاد نموذج يجعل المجال الحضري المتكامل يُدار بمنطق المجال المتكامل، بدل أن تظل حركة السكان والخدمات مرتبطة بحدود إدارية لا تعكس بالضرورة واقع المدينة كما يعيشها المواطنون يوميا.
| الكاتب : | هيئة التحرير |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-09-29 16:20:26 |











