آخر الأحداث والمستجدات
حسن جبوري يكتب : إقليم إفــــران.. ثلج وسياحة وقــر وعزلة ومعاناة
شهد إقليم إفران تساقطات ثلجية مهمة ذكرت الساكنة بالسنوات الخوالي التي كان الإقليم فيها يغمر بالثلوج الكثيفة مع ما يترتب عن ذلك من وفرة وتدفق لمياه العيون والأنهار.
ومع توالي سنوات الجفاف اعتادت الساكنة على فصول شتوية جافة قلت فيها التساقطات المطرية والثلجية، مما جعل الساكنة تركن إلى عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة ظروف الصقيع والتراكمات الثلجية وانسداد المسالك والعزلة عن العالم الخارجي بسبب الظروف المناخية القاسية ووعورة الطبيعة الجغرافية والتضاريسية التي تعتبر مجالا حيويا للفلاحين ومربوا الماشية.
ففي ظل التغيرات المناخية الحالية والتي تميزت بتهاطل غير مسبوق للثلوج بالإقليم، وجدت ساكنة العالم القروي نفسها أمام وضع لم تتهيأ له من قبل، خصوصا مع طول فترة التساقطات الثلجية وانسداد المسالك وقلة المؤن ونفاذ الأعلاف المخصصة للماشية لدى العديد من الكسابة، بالإضافة إلى المشاكل المرتبطة بتوفير حطب التدفئة الذي يعد مادة أساسية لمواجهة الصقيع، سواء بحواضر الإقليم أو ببواديه.
ويزداد الأمر تعقيدا خصوصا مع نوعية السكن بالمداشر والقرى والذي تغلب عليه طابع الهشاشة وعدم القدرة على تحمل الكثافة الثلجية المتساقطة فوق أسطح هشة لا تصمد أمام هذا الوضع، مما جعل شرائح واسعة من ساكنة الإقليم تتخبط في العديد من المشاكل والتحديات بالنسبة لهم ولقطعان ماشيتهم، خصوصا في انتظار الذي يأتي وقد لا ياتي من المساعدات والتدخلات المستعجلة المنقذة لما يمكن إنقاذه.
فالظروف الحياتية الصعبة بأعالي الجبال لا يستشعرها إلا الذي يعيشها ويكتوي بالآثار السلبية التي تطوق الساكنة من كل جانب على مستوى انسداد المسارات الطرقية والعزلة عن العالم الخارجي، بالإضافة إلى نقص أو غياب أهم المواد الغذائية الأساسية وصعوبة الوصول للعلاجات الطبية والأدوية لمواجهة الآثار المترتبة عن انخفاض درجات الحرارة التي تصل إلى حد التجمد.
فالمشاكل المركبة التي تواجه ساكنة الجبل ليس بإقليم إفران فقط، بل بجل الأقاليم ذات الطبيعة الجبلية والتي تطال أولا
"حطب التدفئة وما أدراك ما حطب التدفئة".
ففي ظل الظروف المناخية القاسية، سجلت أثمنة حطب التدفئة ارتفاعا غير مسبوق بسبب الاستغلال الجائر للغطاء الغابوي الذي استنزفت مساحات واسعة منه، مما أثر سلبا على توفير الكميات الكافية المغطية لإحتياجات ساكنة الإقليم الذي يعرف اتساعا عمرانيا ملفتا والمرتبط أساسا بالكثافة السكانية المتزايدة سنة بعد أخرى.
مما يحتم التفكير في بدائل ذات نجاعة فعلية مرتبطة إما بالطاقة الشمسية أو بالكهرباء أو بأنابيب الغاز المرتبطة بالدور السكنية، كما في بلدان أوربا مما يمكن من توفير التدفئة الدائمة للمنازل والمؤسسات التعليمية والمصالح الإدارية والمؤسسات السياحية إلى غير ذلك من المرافق العمومية، علما بأن ثمن الحطب أصبح حاليا فوق القدرة الشرائية لأوسع الفئات الشعبية التي تعيش العسر المادي والحياتي على كل المستويات.
عزلة القرى الجبلية ( ثلج وقر وصقيع )
في ظل الظروف الطقسية والمناخية الصعبة الحالية تعيش القرى الجبلية ظروفا حياتية صعبة بسبب كثافة الثلوج وانسداد المسالك وقلة ذات اليد، مما يطرح العديد من التساؤلات حول المسؤوليات الملقاة على مدبري الشأن العام الترابي إقليميا والمفروض عليهم اتخاذ كل الاحتياطات القبلية اللازمة من أجل مواجهة التبعات المترتبة عن التساقطات الثلجية الكثيفة، نفس التساؤل يطرح على صناع القرار وبرلمانيي الإقليم عن الإجراءات الاستباقية التي وجب اتخاذها على المستوى الإقليمي بواسطة التحسيس والتوعية بالآثار والانعكاسات السلبية على ساكنة الجبل معيشيا وفلاحيا وعلى مستوى توفير الاعلاف لقطعان الماشية.
"الواقع المعيشي لساكنة الجبل"
في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة والقاسية التي تنعكس سلبا على حياة ساكنة الجبل بحكم سنوات الجفاف العجاف وانعكاساتها الاجتماعية على كل المستويات، بدءا بظروف العيش وقصر ذات اليد وفقدان العديد من موارد العيش على المستوى الفلاحي وعلى مستوى قطعان الماشية التي تضررت بفعل الجفاف، بالإضافة إلى المشاكل المرتبطة بضعف الأداء الصحي والتعليمي والافتقار إلى ابسط الحاجيات المعيشية التي تفتقد خلال انسداد المسالك بسبب الاعتماد الكلي على التمويل المعيشي المرتبط بالأسواق الأسبوعية التي تعد المزود الرئيسي للاحتياجاتهم المعيشية التي تضمن لهم استمرار الاستقرار والعيش بمجالاتهم الجغرافية لتفادي الهجرة نحو الحواضر، وبالتالي فقدان الصلة بالأرض وبالعلاقات الاجتماعية وبنمط العيش المعتمد أساسا على الرعي والفلاحة المعيشية، الشيء الذي يعيد طرح العديد من التساؤلات حول النجاعة الاستباقية للتدخلات من طرف الجهات المعنية لفك العزلة عن القرى والمداشر المعزولة والعمل على توفير كل الإمكانيات لهم لتجاوز الظروف الصعبة التي يكابدون معها الأمرين معيشيا وحياتيا، خصوصا مع التأكيد على توجيه السياسات العمومية بالاهتمام بساكنة المغرب العميق بالجبال والأحراش.
"التوقف القسري عن الدراسة "
لا يختلف اثنان حول المعاناة المركبة للتلاميذ والأساتذة والأطر التربوية والإدارية في ظل سوء الأحوال الجوية المتميزة بالتهاطلات الثلجية الكثيفة وبفيضان الاودية التي تشكل عائقا حقيقيا أمام كل هذه الفئات بسبب انسداد المسالك الطرقية وهشاشتها اوالبعد عن المؤسسات التعليمية تأهيليا وإعداديا وأساسيا، خصوصا مع تشتت أقسام الفرعيات التابعة للمجموعات المدرسية، بالإضافة إلى تحول الأقسام الدراسية إلى ثلاجات بفعل الصقيع ونقص التدفئة، ناهيك عن المشاكل المرتبطة بافتقار العديد من المؤسسات التعليمية على السكن الوظيفي للأطر الإدارية والمدرسين على حد سواء، بالاضافة الى قلة أوغياب دور الطالب والطالبة ومراكز الايواء مما يؤثر سلبا على السير العادي للدراسة وهدر الزمن التربوي للتلاميذ بكل المستويات بسبب قسوة الطقس و المناخ مما يفضي قسرا إلى الانقطاع عن الدراسة، خصوصا بالنسبة للفتيات و يعمق واقع التعليم بالعالم القروي بسبب نقص الإمكانات الكفيلة بتحقيق النجاعة والجودة والمواظبة المحققة للأهداف المرسومة على المستوى الوطني للقضاء على الهدر المدرسي.
"انتعاش السياحة الموسمية"
برغم الظروف الطقسية الصعبة عاش ويعيش إقليم إفران حركية سياحية بمناسبة التساقطات الثلجية الأخيرة التي فتحت الأمل أمام انتعاش سياحي واعد لمدينة يشكل فصلا الشتاء والصيف أحد أهم الركائز السياحية المستقطبة للزوار على المستوى الوطني و من مختلف بقاع العالم، بحيث تنفض المدينة عنها غبار الركود الذي يطالها خلال بعض أشهر السنة.
إفران بموقعها وجمالها وبيئتها التي تتميز بنقاء هوائها وجمال طبيعتها وأشجار أرزها وجداولها وينابيعها، مما يجعلها مدينة لا باقي مدن، بحيث تنعت "بسويسرا المغرب" التي تستقطب العديد من السياح من مختلف أرجاء المعمور، بحيث تعد وجهة سياحية متميزة ذات جاذبية متفردة.
هذا الواقع تعاكسه قضايا أخرى تتطلب الاهتمام والحرص وبعد النظر خصوصا على مستوى البنيات التحتية والإيوائية المرتبطة بواقع الأسر المغربية ودخلها المادي، بحيث أمام هذا المعطى تصبح زيارتها بعيدة المنال عن أوسع الفئات الشعبية التي تعوض الزيارة بأغنية "محلا يفرانو محلا جمالو محلاها اعشية ما بين اغصانوا" للمطرب المرحوم "إبراهيم العلمي".
فهل ستتطلع ساكنة إفران للمواسم الثلجية المقبلة لتحقق التغيرات المنتظرة على مستوى التعاطي مع التوافد المكثف للزوارمن خلال تهييئ الظروف الملائمة لتحقيق طفرة سياحية متقدمة تنعكس إيجابا على واقع إقليم افران ككل.
جبوري حسن
| الكاتب : | حسن جبوري |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-02-04 19:17:45 |











