Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

عبد الجبار خلوقي يكتب : من قلب حديقة لحبول بمكناس.. جمال المكان وأسئلة التثمين

عبد الجبار خلوقي يكتب : من قلب حديقة لحبول بمكناس.. جمال المكان وأسئلة التثمين

دخلت لأول مرة إلى حديقة الحبول العريقة بمدينة مكناس، التي يزيد عمرها على مائة سنة، والتي خضعت مؤخرا لأشغال إعادة التهيئة. وكان أول ما لفت انتباهي صغر موقف السيارات التابع لها وامتلاؤه بالكامل بسيارات ساكنة المدينة القديمة بدل سيارات الزوار، وهو ما لا يشجع كثيرا على زيارتها.

وعند دخولي من الباب الرئيسي، وجدت نفسي مطالبا بأداء خمسة دراهم كرسوم للزيارة. حينها تبادر إلى ذهني سؤال بسيط: كم ستدفع أسرة مكونة من خمسة أفراد؟ خمسة وعشرون درهما. قد يبدو هذا المبلغ بسيطا للبعض، لكنه قد يشكل عبئا على الأسر ذات الدخل المحدود، مما يجعل زيارة الحديقة بالنسبة إليها أمرا نادرا أو استثنائيا.

 

تحدثت مع أحد المشرفين على الحديقة، فأكد لي أن بعض السلوكيات المشينة ما تزال تسجّل رغم فرض رسوم الدخول، وأن الأمر يتطلب مراقبة وحرصا مستمرا، خصوصا مع بعض المراهقين والمستهترين. وأضاف متسائلاً: إذا كان هذا يحدث بخمسة دراهم، فكيف سيكون الحال لو أصبحت الحديقة مجانية؟

 

ومن التفاصيل التي لفتت انتباهي أيضا أن التذكرة التابعة لوزارة الداخلية تحمل طابعا إداريا، ولا تعكس الصورة البصرية والجمالية للحديقة بعد إعادة تأهيلها. وكان من الأفضل، في نظري، اعتماد تذكرة بتصميم يحمل هوية الحديقة، فهذه التفاصيل الصغيرة تساهم في تعزيز تجربة الزائر وتعكس قيمة المكان ورمزيته.

 

المهم، دخلت للحديقة في وقت الظهيرة فوجدت نفسي ضمن مجموعة لا تتجاوز عشرة أشخاص متفرقة وسط خمس هكتارات من الطبيعة. الحديقة في حلة جميلة تسر الناظرين، مما يمنح الزائر شعورا بالراحة والهدوء. كما لفت انتباهي الغطاء النباتي الأنيق، والنظافة الواضحة، والبستانيون المنتشرون للعناية بالمكان، إلى جانب حراس يسهرون على التنظيم. وقد أعجبتني أيضا الورود والنباتات المرتبة، والنخيل الشامخ، والحوض الجميل بأزهار اللوتيس، وخرير المياه، والممرات الواسعة التي تمنح الزائر متعة حقيقية وأريحية أثناء التجول. ومن بين الفضاءات المميزة كذلك، ذلك الركن الذي جمعت فيه الأعمدة التاريخية التي جلبها المولى إسماعيل من قصر البديع، وهو ما يضفي على المكان بعدا تاريخيا وجماليا خاصا.

 

صحيح أن بعض التفاصيل التاريخية والأصيلة التي كانت تميز “جنان الحبول” لم يتم الحفاظ عليها بالكامل بعد إعادة التأهيل، إلا أن ذلك لا يضر كثيرا بالصورة العامة للمكان، خاصة أن الحديقة ما تزال تحتفظ بروحها وجمالها وتوفر فضاء مريحا وراقيا للزوار.

 

ورغم القيمة التاريخية والجمالية التي تتمتع بها الحديقة، فقد استغربت غياب السياح الأجانب عنها بشكل شبه تام. وهذا يطرح أكثر من سؤال: لماذا لا يتم إدراج الحديقة ضمن المدارات السياحية للمدينة؟ ولماذا لا نشاهد حافلات سياحية تتوقف عند بابها وازدحام السياح في طابور الدخول كما يحدث في حدائق مراكش؟ فمثل هذا الفضاء، لو تم التعريف به بالشكل المناسب، يمكن أن يصبح نقطة جذب مهمة للسياح والزوار.

 

لكن، رغم كل هذه الإيجابيات، هناك بعض النقاط السلبية التي لا يمكن تجاهلها. فقد تم تقليص حديقة الحيوانات بشكل كبير، لتتحول إلى أقفاص كببرة للطاووس وبعض الطيور فقط، بينما اختفت الحيوانات البرية والقردة التي كانت جزءا من ذاكرة المكان. كما أن عدد كراسي الجلوس يبقى محدودا، ومسرح الهواء الطلق “الحبول” الشهير، الذي كان يحتضن حفلات فنية كبرى، تم تقليصه وأصبح صغير الحجم بشكل لافت، وكأنه احتفظ به فقط من باب حفظ الذاكرة.

 

ورغم هذه الملاحظات، تبقى حديقة الحبول فضاء جميلا ومنظما يستحق الزيارة، يحتاج فقط إلى مزيد من التثمين السياحي والثقافي حتى يستعيد مكانته الرمزية كاملة. وبالنسبة لي، أقيم التجربة بأربع نجوم من أصل خمس.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : عبد الجبار خلوقي
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-05-15 19:53:57

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك