Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

هضبة ضريح الشريف الوافي بمكناس : حيث يتجاور الأحياء والأموات

هضبة ضريح الشريف الوافي بمكناس : حيث يتجاور الأحياء والأموات

على مرتفع ضريح الشريف الوافي المطل على المدينة القديمة لمكناس، يتجاور مشهدان متناقضان: مقبرة تضم أحد أشهر أضرحة المدينة، وفندق مصنف من فئة أربع نجوم، من أقدم فنادق المدينة، يستقبل الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم. وبين فضاء الموت وفضاء الحياة اليومية لا يفصل سوى سياج كثيف من الأشجار، يحجب رؤية القبور عن نزلاء الفندق ورواده.

 

تعد مقبرة الشريف الوافي من أرقى المقابر بمدينة مكناس وأغلاها من حيث تكلفة الدفن، وقد احتضنت عبر السنين رفات عدد كبير من أبناء المدينة رحمهم الله. وعلى الجانب الآخر وراء السياج، يستمتع نزلاء الفندق الفخم بمرافقه المختلفة، من مسبح وحدائق ومقهى يقدم مشروبات روحية وغير روحية، وإطلالات بانورامية على المدينة التاريخية، في مشهد فريد يجمع بين عالمين متجاورين.

 

وتروي الذاكرة المحلية أن الشريف الوافي، وهو ولي اشتهر بالصلاح والاستقامة رغم أن سيرته التاريخية لا تزال يكتنفها الكثير من الغموض، اختار الإقامة خارج الاسوار فوق هذه الربوة المطلة على المدينة القديمة لمكناس، بأرض أبي حفص على الضفة اليمنى لوادي بوفكران. وبعد وفاته دفن هناك، لتصبح قبته أحد المعالم الروحية المعروفة بالمدينة.

 

وتفيد الرواية الشفوية بأن الشريف الوافي كان رجلا صالحا يشتغل بيده ويعرف بالأمانة والوفاء في معاملاته، خصوصا في الميزان، ولذلك لقب بـ"الوافي". كما حكى لي المشرف على المقبرة، نقلا عن والده رحمه الله، أن سلطات الحماية الفرنسية عندما قررت تشييد فندق "عبر المحيط" وحدائقه فوق هضبة الشريف الوافي، فكرت في إزالة القبة التي كانت تعترض المشروع. وتم، بحسب الرواية ذاتها، تجهيز مدفع لهدم الضريح، غير أن المدفع لم يشتغل، بل خرج منه الماء بطريقة أثارت دهشة الحاضرين. وعندها اعتبر الفرنسيون الأمر إشارة حالت دون تنفيذ مخطط الهدم، فاختاروا اقتسام المكان بين الفندق ومقبرة الضريح.

 

داخل المقبرة، تقف القبة البسيطة شاهدة على تاريخ المكان. وفي وسطها قبر قديم مستوي بالأرض يعلوه ثوب أخضر، تحيط به قبور حديثة امتدت مع توسع المقبرة عبر العقود. وخلال زيارتي للموقع، صادفت بعض الزوار في زيارة  لقبور أهاليهم، فيما كانت أصوات الفقيه ترتفع في الأرجاء بآيات من الذكر الحكيم لتصل إلى حديقة الفندق المجاور. وعلى الجانب الآخر، على بعد أمتار قليلة فقط، خلف صف الأشجار الفاصل بين الفضاءين، كان سياح أجانب يجلسون بهدوء ويتأملون المشهد البديع للمدينة من الأعلى الذي أختير له إسم "المنظر الجميل".

 

وتبقى هضبة الشريف الوافي واحدة من أكثر الأماكن فرادة في مكناس، حيث يتجاور الأحياء والأموات في مشهد يختزل تعاقب الأزمنة وتداخل الرموز. فبين أصوات الدعاء وطقوس الزيارة من جهة، وحركة السياح والباحثين عن الاستجمام من جهة أخرى، وأسفل منهم المنظر الجميل للمدينة العتيقة، تروي هذه الربوة قصة مدينة استطاعت أن تحتفظ بذاكرتها الروحية وهي تواكب تحولات الحاضر، لتظل شاهدا على التعايش الرمزي بين الحياة والموت، وبين التاريخ والواقع المعاصر.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : عبد الجبار خلوقي
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-06-08 21:05:20

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك