آخر الأحداث والمستجدات
في زيارة لسيدي علي بن حمدوش
من المفارقات العجيبة بين الواقع والرؤى الجانبية الهامشية، ارتباط قرية سيدي علي أولا بموسم الشيخ الدفين بين أحضان مقدمة جبال الريف، وثانيا مع تلك العادات والممارسات الدخيلة على المنطقة. قد تكون مواصفات الاستعلاء والنقد الجارح ترمي القرية بالنعوت القدحية، لكن تلك المنطقة الهادئة بين شموخ قدم الجبل والمكان وطيبة ساكنة، تبقى حاضرة في قلوب كل من زار قرية سيدي علي بعيون مغايرة عن الاستهجان والتنظير المعياري الفضفاض.
لا نساند مجموعة من الممارسات غير المحصنة بالدين والعقلانية، ولكنا نساند قرية سيدي علي التي تعيش التهميش المنزوي بها ضمن حكم قيمة الاستهجان، ومشحون بالسماع والتردد وحديث المقاهي وعلماء التنظير!!! م
من بادئ القول، لن نقبل بأن يتزايد علينا أحد بالتنظير المعياري والقيمي، فنحن نعلم كذلك مثلكم أحكام الحلال والحرام، والخير والشر، ومواطن الشعوذة وبيت الشيطان، ولا نقف على عتبة الضريح لتبرير الممارسات الحرام!!!
اليوم، أُقربكم بالوصف عن قرية سيدي علي المنسية بتناسي الذكر ومطالب التنمية طيلة السنة، ولا تصنع حدث الاستقطاب إلا في موسمها السنوي. أصف لكم اليوم، طيبوبة ساكنة أصيلة سمحة متصالحة مع ذواتها ومكانها ومع زمن نسيان سياسة التمكين، ومع كل الزائرين بمقاربة النوع... ومعادلة الإنصاف والمساواة!!!
حين تُقبل على مشارف القرية بقاعدة جبل زرهون (مقدمة جبال الريف)، تُلامس بأن أيام الموسم غير عادية بالمنطقة، فحركة النقل كثيفة السير، والتعزيزات الأمنية حاضرة عبر حواجز أمنية للدرك الملكي منتظمة. من مدخل القرية سيدي علي التابعة لأحواز مكناس الكبرى، تشعر بالطمأنينة والأمن، فتحية فضلى بالسبق لكل التلوينات الأمنية الحاضرة بعين المكان، للسهر على الأمن وضبط مخرجات ومداخل الموسم السنوي الحافل بالزيارات، وتحية ثانية للسلطات الترابية بالمنطقة.
كل الزوايا تضيق بالزوار والمريدين الأوفياء للموسم وطقوسه السنوية. الحركة الاقتصادية متحركة بالبيع والشراء، ولحظات موسيقية حمدوشية مخفية تلعب على استقطاب الجن والجنيات (لالة عيشة)، والبخور ينعش المكان مهابة، والخرافة (القديمة) حاضرة وبلا مفزعات من آليات الحداثة، كل هذا لازال يشد القرية في قبضة الخرافة وبمختلف الأعمار والتنوع الجنسي.
والملاحظات التي وقفنا عندها بالتمييز والضبط، حيث أن مستويات الأعمار متنوعة، وأن الطبقات الاجتماعية تحضر جميعها أطوار أيام موسم الضريح الصالح. شابات وشباب يبدو عليهم نعم الاغتناء والمال، والمستوى التعليمي العالي، والمعيشي المرتفع، لكنهم جاؤوا للموسم كي يتخلصوا من إكراهاتها الذاتية والنفسية، ومن (التابعة) حسب ما استقيناه من كلام مباح!!!
ساكنة أصيلة طيبة وطيعة، تلمح في وجوههم شظف العيش، لكن ملمحهم يحمل ابتسامة مريحة وقوة حاضرة من قدم جبل زرهون. في مذبح القربان الدموي، هنالك حارس بوابة المسلخ، بلباسه الملون بالأحمر والأخضر والأصفر...، وبعصا توحي بزمن الخوارق والفوارس، وحكايات العجائب السحرية!!! في البوابة العلوية لوحة كتب عليها (ممنوع التصوير)!!! وفي داخل المذبح هنالك المقدم (ة)، والذي يقف على كل كبيرة وصغيرة، فيما الجانب الأيسر الممتد فهو مخصص للشموع والدخان الكثيف الأسود، وتقديم الولاء والطاعة العمياء لسيدة (الحفرة) لالة عيشة وأتباعها الأوفياء!!!
يقولون: أن موسم الضريح سيدي علي بن حمدوش يمثل أكسجين سنوي لإنعاش المنطقة برمتها، هذه القضية الصحيحة أو الخاطئة نستوثق من صحتها بالضبط أيام الموسم، ويجب احترامها من حيث العوائد المالية على المنطقة، والرواج التجاري المواكب له !!! يقولون: بأن قرية سيدي علي تبيت منسية طيلة السنة، وتُكابد البحث الشاق عن العيش الكريم، وما الموسم السنوي إلا احتفاء تقديري لكرم زيارة جنيات حراس المعبد والضريح بقدم الجبل الشامخ بخباياه!!!
مرات تخرج علينا فتاوى الثقافة المعيارية بالتنظير المخملي، وبوجهة مسح وتشذيب لكل مظاهر الشعوذة بالمكان. هي دعوة لن نختلف في توظيفها بتاتا وصدقها، ولكن قد نختلف في صناعة البدائل الممكنة التي تُغني القرية من تلك الممارسات الدخيلة والخرافية. في ظل غياب بدائل تنموية تُغني الساكنة عيش الكفاف والاسترزاق غير الشرعي!!! وتَصنع العفاف والكرامة والعدل في العيش والرفاه الاجتماعي. نعم، هكذا يمكن تحصيل البدائل بالمتغيرات البنائية، أما هدم (المعبد) على الرؤوس، فهو قتل رحيم لتلك القرية التي تقعد وفية لقاعدة جبل زرهون، ولا منفذ لها في الخريطة العامة للذاكرة المنسية غير موسم سيدي علي الولي الصالح.
تظهر ممارسات الشعوذة الخفية والعلنية بين من يحضر الموسم، وبين من يلتحف متنوعا من الألوان طاعة لرغبات الجن والجنيات، ومن يحتل كراسي المقاهى الممتدة في دوام تفحص الزائرين ومدى تلبية مطالبهم الخفية والعميقة!!! هنا وهنالك، تسمع الدقة الحمدوشية تُغدي الأنفس المريضة بالجذبة والحضرة، والأجساد تترنح بالشد والهيام في ملكوت الجن والجنيات (وحضرة لالة عيشة !!!) ملابس للنساء الداخلية مُتخلى عنها في بعض الزوايا وفي المذبح الداخلي، والقلة منها معلقة بأغصان (الكَرْمَةِ) العتيقة في ممارسات شعوذة الشيطان!!! والبخور لا يفاق القرية، وهو مصحوب بنكهة دخان الشواء المتوفر بوفرة للزائرين.
من الملاحظات التي غيرناها من افتراضاتنا المعيارية شكلا لا مضمونا، ونحن في زيارة استطلاعية للقرية، أن قضية سيدي علي بن حمدوش تستولي على عقول الأميين والجهلاء، وكذلك المثقفين، وأصحاب المراتب... والأطر العليا في الدولة من حيث (علامات السيارات الفاخرة بلوحات ترقيم لكل المدن المغربية، وبفرجة موسم الانتخابات التشريعية 2026). ومن عين المشاهدة الوصفية يظهر التنوع العمري والأجيال، والذي يطغى عليه فئة الشباب، خاصة الشابات من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، هنا نقول: بأن البلاهة والثقة في الغيبيات ملك على الشياع، وتتوارث بأخوية الرضاعة والرعاية من الجن الخفي بقدم جبل سيدي علي!!!
نعم، موسم بخاصيات متميزة، ومظاهر غير سليمة ولا حضارية بينية. لكن بحق القول: فإن موسم سيدي علي يعتبر ذاك الأكسجين النافذ، حتى ولو بتزكية من ثاني أكسيد الأبخرة لتلك المنطقة المنسية من ذاكرة التنمية، وبامتياز غياب محاصرة التضخم في الفقر والعوز. فإذا ما طلبنا بمحاربة (الشعوذة) فلا بد من وضع تخطيط ينقل القرية نحو حضارة سياسة التمكين لا سياسة التدوير.
إنها الحداثة التي تغيب عن العقول والسلوكيات السليمة، من تم لا بد من ضبط أولويات قضايا واحتياجات ساكنة منطقة سيدي علي بن حمدوش والتي سبق ضبطها واستعراضها في المشاورات الموسعة حول التنمية المجالية بعمالة مكناس. هنا انتهى استطلاعنا الذي جئنا من أجله، ونحن لا نبحث عن المبررات والتسويغات غير العقلانية، ولكن لوضع فرضية تجنبنا أزمة تُماثل وبزيادة ما بعد سد ضريح (بويا عمر) سابقا!!
| الكاتب : | محسن الأكرمين |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-08-29 12:27:19 |














