آخر الأحداث والمستجدات 

النزيف الفكري و استثمار الرأسمال البشري ...الجرح السحيق

النزيف الفكري و استثمار الرأسمال البشري ...الجرح السحيق

" يتوقف مصير كل أمة على شبابها " / " يوهان غوته " .
تشكل المسألة الشبابية أحد المواضيع التي استأثرت بالنقاش العام ، و هذا الاكتراث ليس وليد اليوم ، بل طرح نفسه بدَأَبِ نظرا للتغيرات القَصِيَّة التي يعيشها العالم المعاصر ، و ما ينجمُ عنها من تزايد سكاني ، تدهور بيئي ، هشاشة ثقافية ، و على رأسها الحروب الصحية ، و لن ننكر أن جائحة كوفيد 19 و تداعياتها مثال ملموس على ذلك . كل هذه الاضطرابات خلقت معضلة متداخلة و متجادلة ، مما أسْفَر بشكل قسري عن متطلبات جديدة و متعددة في آن واحد ، و وضع الفاعلين الاجتماعين بشكل عام ، و الشباب بشكل خاص ، أمام تحدٍّ جسيم ، يتجلى في مجابهة عدة تحولات قيمية اخترقت الجسم الشبابي و كانت بمثابة محفز للشباب المغربي كي يبصم باستحكام في كل المواقف الحياتية ، مفصحا عن ذاته و كينونته .

و لعل ما يثير التخوف ، هو بزوغ قيم الاستهلاك بإسراف لدى الأفراد ، و خصوصا المراهقين و الشباب ، الذي فاقم فيما بعد ، ظاهرة الخواء الفكري و القيمي و الوجداني و الديني لدى أغلبيتهم ، في حين أن العالم ، في الآونة الأخيرة ، توجه بوتيرة متسارعة نحو استثمار التقنيات الحديثة المرتكزة بالكامل على مقومات تكنولوجية متطورة ، الأمر الذي لم يكن المغرب في منأى عنه ، فساير بدوره التوجه العالمي نحو استثمار ذكي و تطبيق أكثر شمولية لاستغلال الفورة التكنولوجية في تدبير شؤونه الداخلية خلال فترة الجائحة ، من خلال تبني مشروع منظومة مؤسساتية ذكية ناتجة عن التناغم و الانسجام بين الانسان و الآلة (الحواسيب ، الهواتف الذكية ...) ، عن طريق الخضوع لنظام هجين تتداخل فيه الجوانب المادية و الافتراضية، الهادفة إلى تحقيق طفرة هائلة في نمط الحياة ، كما تماما ، و بالمقابل ، ذَرَأَ زوبعة ذهنية و ارتباكا أثناء تخطيط استراتيجيات التعامل مع الرؤية المستقبلية في إطار حاضر استثنائي ، محكوم بفجوة رقمية و إرث اجتماعي و ثقافي و ديني ، وفق سياقات تاريخية ممتدة عبر الزمن ، و الذي يستوجب بناء إطار عام لتواصل معرفي نقدي ، يروم تدجين الأزمات وتخطي عقبات تحديد المسارات المستقبلية لهؤلاء الشباب مع الحفاظ طبعا على هويتهم الاجتماعية .

بيد أن العديد من دراسات سوسيولوجيا المستقبل راكمت رصيدا مهما من البحوث و محاولات التقعيد العلمي لمختلف الانتكاسات العالمية ، و اعتمدت على مناهج علمية قائمة على البعد الزمني في تسلسل نتوء أهم الظواهر الاجتماعية الحساسة، و تمثل مساءلة هذه الظواهر ، منعرجا حاسما في سبيل تطور الشعوب ، لكنها لا زالت تسقط في فراغ متمثل بضعف التجسير المعرفي بينها و بين باقي التخصصات العلمية .

و تأسيسا على ما سبق ، توقف علم اجتماع المستقبل ، بكل شواخصه ، عند دراسة توجهات مجتمعات الغد و ما يحتمل أن يواجه البشرية من عقبات ابستمولوجية ،مع محاولة اقتراح السياسات و الحلول الملائمة لتخطيها، على ضوء العلامات و العوارض الحادثة في الواقع الحاضر ، و جرى ، بالنتيجة ، اضطرام نقاش علمي حول إدراك الإنسان للوقت المتميز بالنسبية و الاختلاف ، و هذا الفارق يعتبر نفسيا في المقام الأول ، لأن العنصر البشري متفرد بقدرته على التفكير المُحَاصَر- في أغلب الأحيان - بضوابط السياق الاجتماعي ، و الذي يفرض على العقل الإنساني بشكل أو بآخر ، الالتزام الأدبي و التبعية لخصوصية الظروف التي يعيشها بعيدا عن أي تحول نوعي في المرجعيات المؤطرة لعلاقته بالآخرين ، و تفاديا لتصورات انغلاقية على الذات كالانتقال من الخوف المشروع ، إلى رهاب اجتماعي يدفعه للبحث عن توازن هش و اتباع محاكاة غير مسؤولة تودي بالشباب في أغلب الحالات إلى السقوط ضحية عدة سلوكات انحرافية .

إن هذا الواقع أصبح مؤرقا للجميع ، فالرهان على الرأسمال البشري ، كما سبق و قلنا ، فاصل حاسم بين النجاح في تحقيق التنمية المستدامة لأي دولة أو العكس ، لأنه أحد الركائز الأساسية والرئيسية في عملية التنمية، فالبلاد التي تُجيد استثماره ، تُنتج بدون شك ثروة بشرية و ثروة مادية في سياق متوازن.

و في هذا الصدد ، دعا البنك الدولي في تقرير له بشأن مذكرته الاقتصادية الصادرة تحت عنوان

" المغرب في أفق 2040" ،على الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي لبلادنا ، و انتهاز الفرص التي يوفرها التحول الديمغرافي و التنمية الحضرية للمجتمع و ارتفاع المستوى التعليمي للساكنة من أجل تعميق إصلاحاته الهيكلية و إعادة التوازن لنموذجه التنموي ، و قد أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس على جعل الاستثمار في الجوانب اللامادية للرأسمال البشري أولوية الأوليات في بلورة وتنفيذ السياسات العمومية الاجتماعية، و ورد عن جلالته في رسالة وجهها إلى المشاركين في الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية :

"غير خاف عليكم أن الاستثمار في الجوانب اللامادية للتنمية البشرية، والذي تعتبر الطفولة المبكرة أحد محاوره الأساسية، يشكل المنطلق الحقيقي والقاعدة الأساسية لبناء مغرب الغد، وأحد التحديات الواقعية التي نراهن على كسبها، من أجل فتح آفاق واعدة، وتوفير فرص جديدة أمام الأجيال الصاعدة" ، و عليه ، فطريق الاستثمار في هذا الرأسمال وتنميته وتثمينه، سيصبح مجالا خصبا لتحرير طاقاته التنموية على ضوء مبادئ كبرى منصوص عليها في الوثيقة الدستورية.

لا شك أن مقاربة هذا الموضوع تبقى شائكة و عصية ، نظرا لكون شباب اليوم ينتمي لوسط اجتماعي مصاب بالتهابات سوسيواقتصادية و توعكات ثقافية و اجتماعية ، مما يزيد من تواتر فقدان الثقة بين الشباب و المؤسسات الاجتماعية ، و يوسع الشرخ بين الرغبة و القدرة لديه، و الذي يستعيض عنها بالنزوح إلى عوالم خارجية تمخض عنه نزيف فكري حاد ، نابع ، أساسا ، من ذيوع هجرة الأدمغة العربية والكفاءات المبتكرة نحو الدول الغربية ، بحثا عن دول أخرى توفر له المناخ المناسب علميا واجتماعيا واقتصاديا و سياسيا، فحسب إحصائيات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية و اليونسكو، فإن ما يقارب (مائة ألف ) عربي من العلماء ، والمهندسين ، والأطباء ، وأصحاب الخبرات الفنية ، و التقنية التكنولوجية العالية يهاجرون سنويا الى أمريكا وكندا والدول الأوروبية .

على العموم ،لابد من التفكير في الحلول الاستباقية لتجنب أو على الأقل التخفيف من حدة الظروف الاستثنائية التي يمكن أن تصادف كل بلد في طريق تطوره ، فالإيمان بالتكامل بين الناس هي فكرة الإدارة كعلم إنساني ، لذلك ، خبراء التنمية العالميين أكدوا على أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري كحل ناجع لمعضلة النزيف الفكري ، لأن الشرائح الاجتماعية الأكثر تجهيزا بالرأسمال الرمزي و الغنية برأسمال من العلاقات الاجتماعية ، هي القادرة على مواكبة التحولات التي تخترق كل الشعوب و الحضارات دون استثناء .

ذة رجاء قيباش / كاتبة / باحثة في علم الاجتماع / كوتش أسري و تربوي و مدربة معتمدة في التنمية الذاتية .

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : ذة رجاء قيباش
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2020-07-14 20:23:04

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك