Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

حين تصبح الرقمنة مجرد ترف الكتروني معطل ببروقراطية إدارية

حين تصبح الرقمنة مجرد ترف الكتروني معطل ببروقراطية إدارية

في مقهى بحي شعبي بمكناس، يجلس صاحب محل لبيع قطع غيار السيارات أمام هاتفه منذ نصف ساعة. يحاول تحميل وصل أداء ضريبي من منصة رسمية. الصفحة تفتح، ثم تطلب منه رقم تعريف لا يتذكره، ثم تحيله على خدمة أخرى تطلب شهادة لا تستخرج إلكترونيا. في النهاية يغلق الهاتف ويقول الجملة التي صارت تلخص تجربة ملايين المغاربة مع الإدارة الرقمية: "غادي نمشي ليهم برجلي".

هذه ليست حكاية طريفة على هامش التحول الرقمي، بل هي التحول الرقمي نفسه كما يعاش. فبين لوحات القيادة التي تعرض في الندوات الرسمية، وبين ما يحدث فعلا أمام شاشة مواطن عادي، توجد مسافة لا تقيسها المؤشرات الدولية جيدا، لكنها تحدد ما إذا كانت الرقمنة إصلاحا أم مجرد طبقة إلكترونية فوق بيروقراطية لم تتغير.

لنبدأ بما تحقق. الربط ليس مشكلة المغرب اليوم. عدد مستخدمي الإنترنت بلغ نحو 35.5 مليون شخص أواخر 2025، أي ما يقارب 92% من الساكنة، مع قرابة 57 مليون اشتراك هاتفي، وتغطية أكثر من 10 آلاف منطقة قروية بشبكات الجيل الثالث والرابع ضمن المخطط الوطني للصبيب العالي، وانطلاق الجيل الخامس في أزيد من 50 مدينة منذ نونبر 2025. من زاوية البنية التحتية، قطع المغرب شوطا حقيقيا يستحق أن يقال.

لكن الربط ليس الخدمة. ففي الوقت الذي كانت فيه نسبة الاتصال تتجاوز 90%، كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024 أن عدد الخدمات العمومية الإلكترونية بلغ 605 خدمة نهاية 2023، وأن المرقمنة كليا منها أي التي يمكن إنهاؤها من البداية إلى النهاية دون التنقل  لم تتجاوز 23%، وزارة الاقتصاد والمالية قدرت النسبة بـ27% في تقريرها المرافق لقانون مالية 2025. أي أن ثلاثة أرباع ما يقدم للمواطن تقريبا «مرقمن» بمعنى أنك تبدأ على الشاشة وتنهي الأمر في الطابور.

هنا بالضبط تقع الفجوة. المواطن لا يستهلك تغطية شبكية ولا مراتب في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية  حيث ما يزال المغرب يحتل المرتبة 100 عالميا، بعد أن كان 113 سنة 2022، والهدف المعلن هو الخمسون الأوائل في 2030. المواطن يستهلك ملفا واحدا: رخصة، شهادة، تعويض، تسجيل. ونجاح الرقمنة عنده يقاس بشيء واحد: هل سقط عنه التنقل أم لا.

الفجوة الثانية أعمق، لأنها مالية لا تقنية. فامتلاك حساب بنكي أو حساب أداء في المغرب ظل عند 44.4% من البالغين سنة 2024، وهي النسبة نفسها المسجلة سنة 2021 ثلاث سنوات من التوسع في الخدمات المالية الرقمية دون تقدم محسوس. والفارق بين الجنسين يناهز عشرين نقطة: نحو 34.7% لدى النساء مقابل 54.6% لدى الرجال. المحافظ الإلكترونية موجودة، لكن معدل استعمالها الفعلي ضعيف إلى درجة تجعلها منتجا مسجلا أكثر منها عادة يومية.

ولهذا يبقى الدفع عند التسليم مهيمنا، إذ يفضله نحو 58% من المستهلكين. ليس لأن المغربي يكره البطاقة، بل لأن منظومة التجارة الإلكترونية لم تمنحه بعد سببا كافيا للثقة: آجال تسليم غير مضمونة، إرجاع معقد، ونزاعات لا توجد لها قناة فصل سريعة. الثقة ليست حملة تواصلية، بل نتيجة تراكم تجارب ناجحة، ولا تفرض بمرسوم.

وإذا أردنا صورة واحدة تختصر الفرص المهدرة، فهي هذه مقابل نحو 1.6 مليون ضيعة فلاحية، و65 ألف تعاونية، و275 ألف وحدة صناعة تقليدية، لا يحصي المركز النقدي المغربي سوى حوالي 5 آلاف موقع تجاري يقبل الأداء الإلكتروني في البلاد كلها. اقتصاد ينتج كثيرا، ولا يملك الطبقة الرقمية التي تسمح له بالبيع والتحصيل وإثبات الدخل.

النتيجة أن حرفية في مكناس تبيع لوسيط يبيع لمصدر، ولا ترى من سعر القطعة النهائي إلا جزءا ضئيلا. ليس لأنها تجهل أن الإنترنت موجود فهي تستعمله يوميا بل لأن المسافة بين "أنا على فيسبوك" و"أنا تاجر إلكتروني مسجل يتوصل بأداء ويصرح بمداخيله" مليئة بعقبات إدارية وبنكية وضريبية لم ترقمن.

وعلى مستوى الشركات، يقدر البنك الدولي أن أقل من واحدة من كل خمس مقاولات مغربية تستعمل التكنولوجيات المتقدمة بشكل مكثف، وأن سد هذه الفجوة قد يرفع الإنتاجية الإجمالية بـ10 إلى 15%، هذه ليست نقطة في جدول، بل مليارات من الناتج تترك على الطاولة كل سنة.

السبب الأول تتعلق بالحكامة، تقرير برلماني حديث أشار إلى ضعف الالتقائية بين القطاعات، وإلى أن نحو نصف الخدمات الرقمية فقط مطابقة بشكل كامل لقوانين حماية المعطيات الشخصية. كل إدارة ترقمن لنفسها، فتتكاثر المنصات وكلمات السر، ويبقى المواطن هو "الوسيط" الذي ينقل الوثائق بين إدارات يفترض أنها متصلة.

السبب الثاني يتعلق بالمنظومة القانونية، مشروع القانون 12.24 المتعلق برقمنة الخدمات الإدارية  وهو النص الذي يمنع الإدارة من مطالبة المرتفق بوثيقة تستطيع الحصول عليها بنفسها ظل عالقا في مسطرة المصادقة سنوات. وبدون هذه القاعدة، تبقى الرقمنة اختيارية، ويظل الموظف محقا حين يطلب منك نسخة ورقية "احتياطا".

السبب الثالث أن المنظومة تقيس الإنتاج لا الأثر. يعلن عن عدد الخدمات 605 ثم 784 بعد إطلاق النسخة الجديدة من بوابة «إدارتي» ولا يعلن عن نسبة الاستعمال الفعلي، ولا عن معدل إتمام الملفات إلكترونيا، ولا عن رضا المرتفقين. وهدف "80% رضا" المدرج في استراتيجية المغرب الرقمي 2030 يبقى بلا معنى ما دام لا أحد ينشر القياس.

ولا يحتاج الأمر استراتيجية جديدة، الاستراتيجية موجودة وأهدافها معقولة. ما ينقص هو تحويل مقياس النجاح من الكم إلى الأثر. ثلاثة إجراءات كفيلة بإحداث فرق ملموس خلال سنتين:

أولا، إخراج القانون 12.24 إلى الوجود وتطبيقه بصرامة، مع منع صريح لطلب أي وثيقة متوفرة لدى الإدارة. ثانيا، نشر لوحة قيادة عمومية شهرية تعرض لكل خدمة: عدد الملفات المودعة إلكترونيا، نسبة المعالجة الكاملة عن بعد، ومتوسط الأجل. الشفافية وحدها تصحح سلوك الإدارات أسرع من أي دورية. ثالثا، معالجة الأداء كبنية تحتية وطنية لا كمنتج بنكي: فتح قبول الأداء الإلكتروني للتعاونيات والحرفيين بإجراءات مبسطة، وربطه بنظام تصريح ضريبي معقول يحول الرقمنة من عبء إلى مدخل للاندماج في الاقتصاد المنظم.

في النهاية، لن يحكم على المغرب الرقمي بعدد الألياف المدفونة تحت الأرض ولا بترتيبه في مؤشر دولي. سيحكم عليه يوم يستطيع صاحب محل في مكناس أن ينهي ملفه من هاتفه، وأن تتوصل حرفية في الحاجب بثمن منتوجها في حسابها، دون أن يضطر أي منهما إلى قول: "غادي نمشي ليهم برجلي".

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : عصام خايف الله
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-10-05 19:05:37

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك